الأصول والعناية بها، واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء، فجعله عونًا له على اجتهاده، ومفتاحًا لطرائق النظر، وتفسيرًا لجمل السنن المحتملة للمعاني، ولم يقلد أحدًا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال، دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها، واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرؤوا أنفسهم منه، فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه، والمعاين لرشده، والمتابع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهدي صحابته رضي الله عنهم.
ومن أعف نفسه من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره، فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله أيضًا، وتقحم في الفتوى بلا علم فهو اشد عمى، واضل سبيلًا"اهـ [1] ."
فهذا الحق ليس به خفاء ... فدعني عن بنيات الطريق" [2] "
(1) جامع بيان العلم وفضله (2/ 172) .
(2) مقدمة صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ص47 - 48.
وتبقى الإشارة إلى قضية شدة الشيخ في ردوده على مخالفيه، والواقع أن هذه القضية نسبية، تختلف من شخص إلى آخر، فبعضهم يسميها موضوعية في البحث وتجرد لطلب الحق دون مجاملة. وآخرون يسمونها شدة وترك للرفق. وعلى كل حال ينبغي أن لا تغيب الأمور التالية: 1) أن بعضهم يطلب من الشيخ من الرفق في رده عليه بما لا يلتزم هو به في ردوده، فهم يطلبون من الشيخ أن يعاملهم في رده عليهم بما لا يلتزمون هم به في ردودهم على مخالفيهم. 2) أن الشدة في تقرير الحق لا تعني أنه باطل. ولا تمنع من قبوله. 3) أن الرفق في تقرير الباطل لا يعني أنه حق. 4) أن الشدة قد تكون في أحيان من الحكمة في الدعوة. 5) أن الشدة في الاعتداء ليست كالشدة في الابتداء، فالثانية مذمومة، والأولى ليست كذلك، والألباني لا يبتدي إنما يعتدي! وللشيخ - حفظه الله - تعليق على ما نسب إليه من شدة فانظره في مقدمة الطبعة الجديدة من السلسلة الضعيفة المجلد الأول ص27.