الصفحة 171 من 205

قال أبومحمد بن حزم رحمه الله:"فكل من أدّاه البرهان من النص أو الإجماع المتيقن إلى قول ما، ولم يعرف أحد قبله بذلك القول؛ ففرض عليه القول بما أدّى إليه البرهان، ومن خالفه فقد خالف الحق، ومن خالف الحق فقد عصى الله تعالى. قال تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة:111] ، ولم يشترط تعالى في ذلك أن يقول به قائل قبل القائل به، بل أنكر على من قاله؛ إذ يقول عزوجل حاكيًا عن الكفار منكرًا عليهم أنهم قالوا: {ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق} [سورة ص:7] ."

قال أبومحمد: ومن خالف هذا فقد أنكر على جميع التابعين وجميع الفقهاء بعدهم، لأن المسائل التي تكلم فيها الصحابة رضي الله عنهم، من الاعتقاد أو الفتيا، فكلها محصور مضبوط، معروف عند أهل النقل من ثقات المحدثين وعلمائهم، فكل مسألة لم يرد فيها قول عن صاحب لكن عن تابع فمن بعده، فإن ذلك التابع قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله بلا شك، وكذلك كل مسألة لم يحفظ فيها قول عن صاحب و لاتابع، وتكلم فيها الفقهاء بعدهم فإن ذلك الفقيه قد قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله.

ومن ثقف هذا الباب فإنه يجد لأبي حنيفة ومالك والشافعي أزيد من عشرة الآف مسألة لم يقل فيها أحد قبلهم بما قالوه، فكيف يسوِّغ هؤلاء الجهال للتابعين، ثم لمن بعدهم أن يقولوا قولًا لم يقله أحد قبلهم، ويحرم ذلك على من بعدهم إلينا ثم إلى يوم القيامة، فهذا من قائله دعوى بلا برهان، وتخرص في الدين، وخلاف الإجماع على جواز ذلك لمن ذكرنا"اهـ [1] ."

(1) الإحكام في أصول الأحكام (5/ 662 - 663) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت