قلت: ينبني على هذا التقرير أمور أهمها ما يلي:
أن المحل الذي يطلب فيه وجود سلف للمستدل للعالم فيما ذهب إليه إنما هو في غير المسألة التي جاء فيها نص محكم سالم من النسخ والمعارضة.
وذلك أن الذي ينبغي للعالم إذا اجتهد في مسألة أن ينظر هل سبقه أحد من السلف إلى هذا الاجتهاد، أوْ لا؛ فإن لم يجد من سبقه إلى هذا الاجتهاد فليتوقف، ويتراجع.
وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله:"كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم؛ فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام"اهـ [1] .
فإذا جاء الدليل الذي يلزم المصير إليه، لم يسع أحد مخالفته لمجرد أنه لا يعلم من قال به [2] .
(1) مجموع الفتاوى (21/ 291) ، وكلمة أحمد قالها للميموني انظرها في مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي ص178.
(2) هذا الموضع بحاجة إلى بيان، وذلك كما يلي:
اعلم أن الحديث إذا صح وكان يتضمن حكمًا عامًا على كافة الخلق، فلا يخلو عن الأحوال التالية:
الأولى: أن ينقل عن السلف العمل به، بلا خلاف بينهم، فهنا يجب عليك العمل بالحديث بلا خلافً بين العلماء.
الثانية: أن ينقل عن السلف اختلافهم في المسألة التي ورد فيها الحديث، فهنا الحديث يقوي قول من ذهب إلى مقتضاه من السلف.
الثالث: أن ينقل عنهم الإجماع على العمل بخلاف هذا الحديث الفرد، فهنا لا شك في ترك العمل بالحديث، ويكون الإجماع (المتيقن) دليلا على النسخ، أو التعليل، وهذا من الأمور التي يعل بها متن الحديث.
الرابع: أن يرد الحديث ولا تقف عن السلف لا على ما يفيد ترك العمل به، و لا ما يفيد العمل به؛ فهنا محل البحث، والذي يظهر والله اعلم، أن يعمل بالحديث، و لا يهجر، حتى يوقف على مانع صحيح يمنع من العمل به. والله الموفق. ... انظر: رسالة:"تحفة الأنام في العمل بحديث النبي عليه السلام"لمحمد حياة السندي. ورسالة:"الحديث حجة بنفسه"لمحمد ناصر الدين الألباني.