فالجواب: إن كل فريق من المبتدعة، إنما يدّعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كلهم يدّعون شريعة الإسلام، ملتزمون في الظاهر شعائرها، يرون أن ماجاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق. غير أن الطرق تفرقت بهم بعد ذلك. وأحدثوا في الدين مالم يأذن به الله ورسوله؛ فزعم كل فريق أنه هو المتمسك بشريعة الإسلام. وأن الحق الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يعتقده وينتحله!! غير أن الله تعالى أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار؛ لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفًا عن سلف، وقرنًا عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولاطريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من الصراط المستقيم، والصراط القويم إلا هذا الطريق، الذي سلكه أصحاب الحديث. وأمّا سائر الفرق فطلبوا الدين لا بطريقه؛ لأنهم رجعوا إلى معقولهم، وخواطرهم، وآرائهم؛ فطلبوا الدين من قِبَله، فإذا سمعوا شيئًا من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم، فإن استقام قبلوه، وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرّفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستنكرة؛ فحادوا عن الحق، وزاغوا عنه ونبذوا الدين وراء ظهورهم، وجعلوا السنة تحت أقدامهم، تعالى الله عما يصفون.
وأمّا أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم، عرضوه على الكتاب والسنة. فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله عزوجل حيث أراهم ذلك ووقفهم عليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ماوقع لهم، واقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق. ورأي الإنسان قد يرى الحق، وقد يرى الباطل.
وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني - وهو واحد زمانه في المعرفة:"ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت منه شاهدين من الكتاب والسنة، فإن اتى بهما وإلا رددته في نحره"أو كلام هذا معناه.
ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق: أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا