الصفحة 130 من 205

معرفة المحدثين وأسمائهم، وأنسابهم، وقد أعمالهم، وذكر أعصارهم، وشمائلهم وأخبارهم، وفصل الرديء والجيد، والصحيح والسقيم حنقًا لله ورسوله، وغيرة على الإسلام والسنة، ثم استعمل آثاره كلها حتى فيما عدا العبادات من أكله، وطعامه وشرابه، ونومه ويقظته، وقيامه وقعوده، ودخوله وخروجه، وجميع سيرته، وسننه حتى في خطواته، ولحظاته، ثم دعا الناس إلى ذلك، وحثهم عليه وندبهم إلى استعماله، وحبب إليهم ذلك بكل ما يمكنه حتى في بذل ماله، ونفسه؛ كمن أفنى عمره في اتباع أهوائه، وآرائه وخواطره، وهواجسه، ثم تراه يرد ما هو أوضح من الصبح من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهر من الشمس برأي دخيل، واستحسان ذميم، وظن فاسد، ونظر مشوب بالهوى؟

فانظر وفقك الله للحق؛ أي الفريقين أحق بأن ينسب إلى اتباع السنة، واستعمال الأثر الفرقة الأولى أم الثانية؟

فإذا قضيت بين هذين بوافر لبك، وصحيح نظرك، وثاقب فهمك فليكن شكرك لله على حسب ما أراك من الحق، ووفقك للصواب، وألهمك من السداد، واختصك به من إصابة الحسن في القول والعمل، فإذا كنت كذلك فقد ازددت يقينًا على يقين، وثلجًا على ثلج، وإصابة على أصابة، ومن الله التأييد والتسديد، والإلهام والإعلام، وهو حسب أهل السنة، وعليه توكلهم، ومنه معونتهم وتوفيقهم، ونصرتهم بمنه وفضله، وعميم كرمه.] [1] .

فإن قيل: إن أهل الفقه مجمعون على قول الفقهاء، وطريق كل واحد منهم في الفروع، وأهل النحو مجمعون على طريقة البصريين والكوفيين في النحو، وكذلك أهل الكلام مجمعون على طريق كل واحد منهم: من متقدميهم وسلفهم. فأمّا ما يرجع إلى العقائد فلم يجتمع أهل الإسلام على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل كل فريق يدعي دينه وينتسب إلى ملته، ويقول: نحن الذين تمسكنا بملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعنا طريقته، ومن كان على غير مانحن عليه فهو مبتدع صاحب هوى! فلم يجز اعتبار تنازعنا فيه بما قلتم!!

(1) ما بين معقوفتين من كلام أبي المظفر السمعاني، نقله صاحب الحجة في بيان المحجة (2/ 233 - 236) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت