وصاحب الهوى لا يتبع إلا ما يهوى، وإن كان عند العلماء أوهاها! وكل ذي حرفة وصناعة موسوم بصناعته، معروف بآلته، متى أعوزته الآلة زالت عنه آية الصناعة، وكذلك سمات أهل السنن والأهواء، وفي دون ما فسرنا ما يشفي، والأقل من هذا يكفي، من كان موفقًا، ولحقه عون من الله تعالى.
فإن قالوا: قد كثرت الآثار في أيدي الناس، واختلطت عليهم!
قلنا: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأمّا العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير، فيميزون زيوفها، ويأخذون جيادها، ولئن دخل في غمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروح ذلك على جهابذة أصحاب الحديث، ورتوت العلماء [1] ، حتى إنهم عدّوا أغاليط من غلط في الأسانيد والمتون، بل تراهم يعدون على كل رجل منهم في كم حديث غلط، وفي كم حرف حرّف، وماذا صحف! فإذا لم يروج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون والحروف، فكيف يروج وضع الزنادقة وتوليدهم الأحاديث؟ وهو الذي يقول بعض الناس: إن بعض الزنادقة ادّعى أنه وضع ألوفًا من الأحاديث وخلطها بالأحاديث التي يرويها الناس، حتى خفيت على أهلها!! وما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذاب، يريد أن يهجن بهذه الدعوى الكاذبة صحاح آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقة؛ فيغلِّط جهّال الناس بهذه الدعوى [2] . وما احتج مبتدع في ردّ آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة هي أوهى منها، و لا أشد استحالة، فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يسف في فيه الرماد، وينفى من بلاد الإسلام، فتدبر رحمك الله!
أيجعل حكم من أفنى عمره في طلب آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم شرقًا وغربًا، وبرًا وبحرًا، وارتحل في طلب الحديث الواحد فراسخ، واتهم أباه، وأدناه في خبر يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان موضع التهمة ولم يحابه في مقال، ولا خطاب غضبًا لله وحمية لدينه، ثم ألف الصحف والأجلاد في
(1) رتوت العلماء: الرت: الرئيس، جمعها رتوت. المعجم الوسيط (1/ 327) .
(2) بل ويزهدهم في الأحاديث والآثار، ويصرفهم عن اتباع السنة، ويجعلهم أهل جرأة في رد الأحاديث، ومخالفتها، وإنا لله وإنا إليه راجعون!