الصفحة 128 من 205

الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوها من معادنها وجمعوها من مظانها، وحفظوها فاغتبطوا بها، ودعوا إلى اتباعها، وعابوا من خالفها فكثرت عندهم، وفي أيديهم، حتى اشتهروا بها، كما اشتهر البزاز ببزه، والتمار بتمره، والعطار بعطره، ثم رأينا قومًا انسلخوا من حفظها ومعرفتها، وتنكبوا أتباع أصحها وأشهرها، وطعنوا فيها، وفيمن أخذ بها، وزهدوا الناس في جمعها ونشرها، وضربوا الأمثال لها ولأهلها أسوأ الأمثال، فعلمنا بهذه الدلائل الظاهرة، والشواهد القائمة أن هؤلاء الراغبين فيها، وفي جمعها وحفظها، وأتباعها؛ أولى بها وأحق من سائر الفرق الذين تنكبوا أكثرها، وهي التي تحكم على أهل الأهواء بالأهواء؛ لأن الاتباع عند العلماء هو الأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي صحت عنه عند أهلها ونقلتها، وحفاظها، والخضوع لها، والتسليم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها تقليدًا لمن أمر الله بتقليده، والائتمار بأمره، والانتهاء عما نهى عنه، ووجدنا أهل الأهواء الذين استبدوا بالآراء، والمعقولات بمعزل من الأحاديث والآثار التي هي طريق معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهذا الذي قلناه سمة ظاهرة وعلامة بينه تشهد لأهل السنة باستحقاقها، وعلى أهل الأهواء في تركها، والعدول عنها، ولا نحتاج في هذا إلى شاهد أبين من هذا، ولا إلى دليل أضوأ من هذا] [1] .

فإن قالوا: إن لكل فريق من الأهواء وأصحاب الآراء حججًا من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجون بها!

قلنا: أجل ولكن يحتجون بقول التابعي على قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو بحديث مرسل ضعيف على حديث متصل قوي، ومن هاهنا امتاز أهل اتباع السنة من غيرهم؛ لأن صاحب السنة لا يألوا أن يتبع من السنن أقواها، ومن الشهود عليها أعدلها وأتقاها، وصاحب الهوى كالغريق يتعلق بكل عود ضعيف أو قوي، فإذا رأيت الحاكم لا يقبل من الشهود إلا أعدلها وأنقاها كان ذلك منه شاهدًا على عدالته، وإذا غمّض وقنع بأرداها كان ذلك دليلًا على جوره، وكان المتبع لا يتبع من الآثار إلا ماهو عند العلماء أقوى،

(1) هذا السؤال و ما بين معقوفتين من كلام أبي المظفر السمعاني، وأورده صاحب الحجة في بيان المحجة (2/ 230 - 233) . وانظر منه (2/ 385 - 386) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت