الصفحة 127 من 205

فالسنة مثل القرآن في وجوب العمل بها، ولزوم قبولها.

ومثل القرآن العظيم، لا يقدح في ثبوته، وجود المحكم والمتشابه، فمحكمه يؤمن به ويصدق به، ومتشابهه يُسَلَّم له ويُحْكَم بالمُحْكَم عليه. والسنة فيها محكم ومتشابه، يصدق بهما، ويحمل متشابهها على محكمها.

فالسنة توافق القرآن العظيم، وتبينه، وتستقل عنه بالتشريع.

قال تبارك وتعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل:44] .

وقال تعالى: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر:7] .

وقال تعالى: {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء:80] .

[ووجدنا أصحاب الحديث أطلب الناس لهذه السنة، وفيها أرغب، ولصحاحها أتبع. فعلمنا أنهم أهلها دون سائر الفرق؛ لأن مدّعي كل صناعة إذا لم يكن معه دلالة على صناعته يكون مبطلًا في دعواه، وإنما يستدل على صناعته بآلته في صنعته، فإذا لم يكن معه دلالة عليه من صناعته وآلة من آلاته، ثم ادّعى تلك الصناعة كان في دعواه عند العامة مبطلًا! وفي المعقول عندهم متجهلًا! فإذا كانت معه آلات الصناعات والحرف؛ شهدت له تلك الآلات بصناعتها، بل شهد له كل من عاينه قبل الاختبار، كما أنك إذا رأيت الرجل فتح باب دكانه على بز؛ علمت أنه بزاز، وإن لم تختبره، وإذا فتح على تمر علمت أنه تمار، وإذا فتح على عطر علمت أنه عطار، وإذا رأيت بين يديه الكير والسندان والمطرقة علمت أنه حداد، وإذا رأيت بين يديه الإبرة، والجلم [يعني: المقص] علمت أنه خياط، وكذلك صاحب كل صناعة، إنما يستدل على صناعته بآلته، فيحكم بالمعاينة من غير اختبار. ولو رأيت بين يدي نجار قدومًا ومنشارًا ومثقابًا، ثم سميته خياطًا؛ جُهِّلت، وإذا رأيت بنّاء معه آلة البنائين ثم سميته حدادًا؛ جُهِّلت، وكذلك من معه الكير، والسندان، ومنفخ إذا سميته بزازًا أو عطارًا جُهِّلت، ولو قال صاحب التمر لصاحب العطر: أنا عطار، قال له: كذبت، بل أنا هو، وشهد له بذلك كل من أبصره من العامة.

ثم كل صاحب صناعة وحرفة يفتخر بصناعته، ويستطيل بها، ويجالس أهلها، و لا يذمها. ووجدنا أصحاب الحديث رحمهم الله قديمًا وحديثًا، هم الذين رحلوا في طلب هذه الآثار التي تدل على سنن رسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت