يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، وفعلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما وإن قلْ. بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم نقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ قال الله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} [النساء:82] . وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولاتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانًا} [آل عمران:13] .
وأمّا إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع، رأيتهم متفرقين مختلفين، وشيعًا وأحزابًا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضًا، بل يترقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره. تراهم أبدًا في تنازع وتباغض، واختلاف، تنقضي أعمارهم ولمّا تتفق كلماتهم، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون. أوَ ما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون منهم البصريين، والبصريون منهم البغداديين، ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي ابنه أباهاشم، وأصحاب أبي هاشم يكفرون أباه أبا علي.
وكذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض.
وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم وسائر المبتدعة بمثابتهم. وهل على الباطل دليل أظهر من هذا، قال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله} [الأنعام:159] .
وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة، وطريق النقل فأورثهم الاتفاق والايتلاف وأهل البدعة، أخذوا الدين من المعقولات، والآراء فأورثهم الافتراق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلّما يختلف. وإن اختلف في لفظ أو كلمة فذلك اختلاف لا يضر الدين ولايقدح فيه. وأمّا دلائل العقل فقلما يتفق، بل عقل كل واحد يرى صاحبه غير مايرى الآخر، وهذا بيِّن والحمد لله. وبهذا يظهر مفارقة الاختلاف في مذاهب الفروع اختلاف العقائد في الأصول.
فإنّا وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم من بعده اختلفوا في أحكام الدين، فلم يفترقوا ولم يصيروا شيعًا؛ لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما اذن لهم [من اجتهاد إلى الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصًا] ؛ فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة مثل