كانت علاقة العلماء في الأزمان السابقة بالحديث النبوي والكتب الأصيلة، علاقة وثيقة، ومعرفة عميقة، وكان إطلاعهم على مصادر السُنة إطلاعًا واسعًا، وصلتهم بكتب الحديث صلة قوية، فهم على دراية تامة بطريقة تأليف تلك الكتب ومناهج مؤلفيها، وكيفية ترتيبها، وكانت قدرتهم العظيمة على الحفظ والتذكر تجعلهم قادرين على معرفة موضع الحديث و في أي المصنفات هو، وبالتالي القدرة على استخراجه، كل ذلك دون أن يكون عندهم إلمام بقواعد وأصول ما نطلق عليه الآن"علم أصول التخريج".
وهكذا استمر الحال بهؤلاء العلماء جيلًا بعد جيل، حتى جاء عليهم زمن قلَّ فيه إطلاع العلماء على كتب السُنة ومصادرها الأصلية، وحتى أصبحت كتب الأحاديث مهجورة، إلا من القلة من العلماء، من هنا بدأ يصعب على كثير من الدارسين التعرف على مصدر الحديث، وخُصوصًا حينما تنوعت العلوم وكثرت، واتسعت البلاد وقل الإقبال على العلم.
في هذه الظروف ظهر جماعة من العلماء أخذوا على عاتقهم مهمة البحث والتنقيب وتخريج أحاديث بعض الكتب المؤلفة في غير الحديث، ككتب التفسير، والتاريخ، والفقه، وبيان مصادر هذه الأحاديث وعزوها إلى كتبها الأصلية، وذِكر طرقها، والحديث عنها من حيث القَبول أو الرد.
في هذا الوقت بدأت تظهر كتب التخريج، ومن المناسب أن نذكر أن الخطيب البغدادي هو من الأوائل الذين أقدموا على هذا العمل العظيم، وذلك من خلال تخريج أحاديث كتاب"الفوائد المنتخبة"للشريف الحسيني، وكتاب"الفوائد المنتخبة"لأبي القاسم الهرواني.
كذلك تخريج أحاديث كتاب"المهذب"لأبي إسحاق الشيرازي، تخريج الإمام محمد بن موسى الحازمي.