اكتشف العلم الحديث ذلك بعد أن تبين له علميا فساد نظريته المادية التي جعلها قاعدة لمنهجه، وخطل تفسيره السلوك البشري بكونه مجردَ ظاهرة طبيعية لا تحتمل أي غموض أو إبهام أو غيبية، ومحضَ نشاط محتوم في مواجهة البيئة من أجل البقاء، لا فرق في ذلك بين انقباض عضلة أو إفراز غدة أو اختيار عمل أو ملبس أو زوجة أو علبة سجائر، ونتيجة ًمنطقيةً لأسباب مادية محضة لا علاقة لها بحرية الإنسان أو مسؤوليته عن أفعاله وتصرفاته، أو مساواته مع بني جنسه؛ وبعد أن اتضح له أن اعتبارَ السلوك البشري وسلوك أي كائن حي مجردَ استجابة لظروف البيئة، يلغي حرية الإنسان، ويجعل جميع تصرفات البشر مهما ساءت، طبيعية ومقبولة ومشروعة، وغيرَ مسؤولة قانونا وشرعا، مثلهم في ذلك مثل الكلب الذي يعض المارة فلا يتحمل أي مسؤولية؛ مما عصف بكل مبادئ حرية الإنسان وكرامته وحقوقه التي تتبجح بها الحضارة الغربية الحديثة.
ولئن كانت بعض الديانات والمذاهب الضالة تدعي أن الإنسان فاقد لكل حرية في الاختيار، فإنها على الأقل زعمت أن الله تعالى هو الذي سلبه هذه الحرية، وفرض عليه جميع تصرفاته الخيرة والسيئة، ترشيدا لفطرته وتدريبا له على الخضوع والاستسلام، على ما في هذا الادعاء من بطلان.
أما"المنهج العلمي"فإنه قرر أن الذي سلب الإنسانَ حريتَه وفرض عليه سلوكه هو الطبيعة وحرصُه على البقاء فيها، فتجاوز بذلك أشدَّ المذاهب إغراقا في التخلف والغباء، لأنه راهن على إلغاء الفطرة بدل العمل على ترشيدها وإعلائها وبلورتها وتوجيهها؛ فكانت النتيجة الوحيدة أن صمدت الفطرة وسقط"المنهج العلمي"، معلنا إفلاسه في جميع الميادين الإنسانية، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا.