واحتياجه لمداراة كبيرهم، وصغيرهم، بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكل ما يرومونه على وجه العدل، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد أمرهم، وأن بعضهم ارتحل للقائه، وبلغه في أثناء توجهه تلبسه بوظيفة القضاء فرجع، ولم يلبث أن صرف، ثم أعيد، ولا زال كذلك إلى أن أخلص في الإقلاع عنه عقب صرفه، في جمادى الثانية سنة اثنتين وخمسين بعد زيادة مدة قضائه على إحدى وعشرين سنة، وزهد في القضاء زهدًا تامًا، لكثرة ما توالى عليه من الأنكاد، والمحن، بسببه وصرح بأنه لم تبق في بدنه شعرة تقبل اسمه (1) .
ومما ابتلي به الحافظ -رحمه الله- ما أشعل بينه وبين الحافظ العيني من نار الفتنة، وسبب ذلك أن لما أنشأ -أحد الأمراء منارة طويلة للمسجد فانهدمت تلك المنارة أنشد بعض العلماء في مناسبة ذلك أبياتا تسلية للأمير منهم الحافظ ابن حجر حيث قال:
لجامع مولانا المؤيد رونق ... منارته بالحسن تزهو وبالزين
نقول وقد مالت عن القصد أمهلوا ... فليس على جسمي أضر من العين
قال الحافظ: فأراد بعض الجلساء العبث بالشيخ بدر الدين العيني فقال له: إن فلانا قرض بك.
فغضب واستعان بمن نظم له بيتين ينقض هذين البيتين ونسبهما لنفسه، وعرف كل من يذوق الأدب أنهما ليسا له؛ لأنه لم يقع له قريب من ذلك.
قال العيني:
منارة كعروس الحسن قد جليت ... وهدمها بقضاء الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا خطأ ... ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر (2)
ولما ألف العيني عمدة القارئ تعقب الحافظ ابن حجر في كثير من المسائل، بعبارات شديدة وصفه بالجهل أحيانا، وبالتخبط أحيانا أخرى.
فرد عليه الحافظ ابن حجر بكتابين:
1 -الانتصار على الطاعن المعثار.
2 -انتقاض المعثار.
وعلى أي حال فإنهما حافظان كبيران، وكتابيهما من أعظم ما ألفا في شرح صحيح البخاري، ولا يغني أحدهما عن الآخر، فرحمهما الله رحمة واسعة، وجمعنا بهما في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
(1) ينظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (2/ 38) .
(2) إنباء الغمر بأبناء العمر (3/ 145 - 146) ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (14/ 76) ، شذرات الذهب في أخبار من ذهب (9/ 12)