اهتم المحدثون، والفقهاء في تأويل التعارض بين الأحاديث أكثر من غيرهم.
المطلب الثالث: أسباب الاختلاف بين الأحاديث، وأنواعه، وموقف العلماء من ذلك.
أسباب الاختلاف بين الأحاديث:
لا يخفى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، ومن هنا يتبين أن أحاديثه لا يتصور أن بينها تناقضًا، ولا اختلافًا، وإنما ذلك يرجع إلى تصور من لم يتمعن في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن له اطلاع واسع بسنته - صلى الله عليه وسلم -، حيث إن الناظر في بعض أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من أول وهلة يظن أن بينها تعارضًا واختلافًا، لكنه إذا نظر، وأمعن النظر، يتحقق أنه ليس بينهما تعارض البتة، وإنما ذلك راجع إلى أسباب تتجلى من خلال ما يلي:
السبب الأول: أن يكون الحديث غير ثابت السند؛ وإنما في إسناده شيء، ومن ثمَّ وجب الرجوع إلى قواعد علم الحديث، ونقد هذه الأحاديث، والنظر في أيهما يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيؤخذ بالثابت، ويطرح ما لا يثبت، ولا يخفى ما وضع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث كثيرة في شتى شؤون حياته.
قال الشافعي رحمه الله (1) : [فلا يجوز عندي عن عالم أن يثبت خبر واحد كثيرًا، ويحل به، ويحرم، ويرد مثله، إلا من جهة أن يكون عنده حديث
(1) هو الإمام العلم حبر الأمة: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. من بني المطلب من قريش. أحد أئمة المذاهب الأربعة، قال الإمام أحمد: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي عليه منة. من تصانيفه: الأم، والرسالة، واختلاف الحديث، وغيرها، توفي سنة 204هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ (1/ 265) ، وطبقات الحنابلة (1/ 278) ، وطبقات الشافعية الكبرى (2/ 71 - 74) ، طبقات الفقهاء - (71 - 73) .