وقال ابن حجر رحمه الله:"وإنما اختصّت المدينة بذلك لأن قتل عثمان - رضي الله عنه - كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين، وكلّ قتال وقع في ذلك العصر إنما تولّد عن شيء من ذلك، أو عن شيء تولّد عنه، ثم إن قتل عثمان كان أشدّ أسبابه الطعن على أمرائه، ثم عليه بتوليته لهم، وأوّل ما نشأ ذلك من العراق وهي من جهة المشرق" (1) .
6-قبض العلم وظهور الجهل:
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: لأحدثنّكم حديثا لا يحدّثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ) (2) .
وعن شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى فقالا: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ( إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم ) (3) .
قال ابن بطال رحمه الله:"هذا كلّه إخبار من النبي بأشراط الساعة، وقد رأينا هذه الأشراط عيانًا وأدركناها، فقد نقص العلم وظهر الجهل" (4) .
قال ابن حجر رحمه الله معقبًا على ذلك:"الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك، حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر، وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك" (5) .
(1) - فتح الباري (13/13) .
(2) - أخرجه البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة (3586) واللفظ له، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (144) .
(3) - أخرجه البخاري في الفتن، باب: ظهور الفتن (7063) ، واللفظ له، ومسلم في العلم (2672) .
(4) - شرح صحيح البخاري (10/13) .
(5) - فتح الباري (13/16) .