وقد بين - صلى الله عليه وسلم - كيف ترفع الأمانة من القلوب، فعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها، قال: ( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل أثر الوكت(1) ، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل المجل (2) كجمر دحرجته على رجلك فنفط (3) فتراه منتبرًا (4) وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان )، ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما ردّه علي الإسلام، وإن كان نصرانيا ردّه علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا (5) .
ومن تأمّل أحوال الناس اليوم علم مصداق قوله - صلى الله عليه وسلم -.
9-اتباع سنن الأمم الماضية:
(1) - قال ابن الأثير في النهاية (5/217) :"الوكت: جمع وكتة، وهي الأَثَر في الشيء كالنُّقْطة من غَير لَوْنه... ومنه قيل للبُسْر إذا وَقَعت فيه نُقْطة من الأرْطاب: وقد وَكَّت".
(2) - المجل: هو ما يكون في الكف من أثر العمل بالأشياء الصلبة الخشنة، كهيئة البثر. ينظر: النهاية في غريب الحديث (4/300) .
(3) - نفط: بفتح النون وكسر الفاء، يقال: نفطت يداه، أي: قرحت من العمل، والنفطة: بثرة تخرج في اليد من العمل ملأى ماء. ينظر: لسان العرب (7/416-417) .
(4) - منتبرًا: المنتبر كلّ مرتفع، ومنه اشتق المنبر، يقال: انتبر الجرح إذا ورم وامتلأ ماء. ينظر: النهاية (5/7-8) .
(5) - أخرجه البخاري في الرقاق، باب: رفع الأمانة (6497) واللفظ له، ومسلم في الإيمان (143) مختصرا.