وكان الإسلام في أول ظهوره غريبا، وكان من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته.
فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل، بل آحادا منهم، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقا. حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا. فزالت تلك الغربة عنهم. ثم أخذ في الإغتراب والترحل حتى عاد غريبا كما بدأ، بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس. وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة، وسبعين فرقة ذات أتباع ورئاسات، ومناصب وولايات، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول. فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع، التي هي نص فضيلتهم وعملهم والشهوات التي هي غايات مقاصدهم و إراداتهم.