أعدت لهم ظنوا أنهم وصلوا الى سراديب خاصة وسرية تؤدي الى داخل المدينة ففرحوا بهذا، ولكن الفرحة لم تطل إذ فاجأهم الروم، فصبوا عليهم ألسنة النيران والنفط المحترق والمواد الملتهبة، فأختنق كثير منهم واحترق قسم آخر وعاد الناجون منهم أدراجهم من حيث أتوا [1] .
لكن هذا الفشل لم يفت في عضد العثمانيين، فعاودوا حفر انفاق اخرى، وفي مواضع مختلفة، من المنطقة الممتدة بين (أكرى فبو) وشاطئ القرن الذهبي وكانت مكانًا ملائمًا للقيام بمثل هذا العمل، وظلوا على ذلك حتى أواخر أيام الحصار وقد اصاب أهل القسطنطينية من جراء ذلك خوف عظيم وفزع لايوصف حتى صاروا يتوهمون أن أصوات أقدامهم وهم يمشون ان هي أصوات خفية لحفر يقوم به العثمانيون، وكثيرًا ماكان يخيل لهم ان الارض ستنشق ويخرج منها الجند العثمانيون ويملئون المدينة، فكانوا يتلفتون يمنة ويسرة، ويشيرون هنا وهناك في فزع ويقولون: (هذا تركي، ... ،هذا تركي) ويجرون هربًا من أشباح يحسبونها انها تطارهم، وكثيرًا ماكان يحدث أن تتناقل العامة الاشاعة فتصبح كأنها حقيقة واقعة رأها احدهم بعيني رأسه وهكذا داخل سكان القسطنطينية فزع شديد أذهب وعيهم، حتى لكأنهم (سكارى وماهم بسكارى) ، فريق يجري، وفريق يتأمل السماء، ومجموعة تتفحص الأرض، والبعض ينظر في وجوه البعض الآخر في عصبية زائدة وفشل ذريع.
ولم يكن عمل العثمايين هذا سهلًا، فان هذه الانفاق التي حفروها قد أودت بحياة كثير منهم، فماتوا اختناقًا واحتراقًا في باطن الأرض، كما وقع الكثير منهم في بعض هذه المحاولات في أسر الروم، فقطعت رؤوسهم وقذف بها الى معسكر العثمانيين [2] .
لجأ العثمانيون الى اسلوب جديد في محاولة الاقتحام وذلك بأن صنعوا قلعة خشبية ضخمة شامخة متحركة تتكون من ثلاثة أدوار، وبارتفاع أعلى من الأسوار،
(1) انظر: الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص372.
(2) انظر: السلطان محمد الفاتح، ص110.