تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 22 - 23] .
وحكى عن قوم إبراهيم أنهم قالوا له لما أنكر عليهم عبادة غير الله تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 70 - 74] .
ومثل هذا في القرآن كثير جدًّا، وفي صحيح البخاري في كتاب بدء الوحي من حديث ابن عباس في قصة أبي سفيان مع هرقل، أن هرقل سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا يأمركم؟ فقال أبو سفيان: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم ... [1]
قال الحافظ:"وهي كلمة جامعة لترك ما كانوا عليه في الجاهلية"، فدلّ هذا على أن من الموروثات عن الآباء والأجداد ما قد يكون سببًا للصدّ عن الدين والإعراض عنه، بل هو الغالب في الحقيقة، وإذا كان الأمر كذلك فالمصلحة إنما هي في إنكاره والتخويف منه والحضّ على تركه والإعراض عنه، فإن المعروف ما سمّاه الشارع معروفًا وإن كان منكرًا عند الخلق، كما أن المنكر ما سمّاه الشارع منكرًا وإن كان معروفًا عند الناس، فهذا هو الميزان فحسب، وثمة أمر آخر وهو أن العالِمَ بالمنكر إذا رآه ولم ينكره اتخذه عامة الناس من رعاع الخلق وجهلتهم حجة وذريعة لما هم عليه من المنكرات والضلالات، حتى إذا ما أنكر ذلك عليهم أحدٌ قالوا: لو كان منكرًا لما أقرّه فلان ولا رضيه، ثمّ إن عاد لينكر عليهم بعد ذلك ولو بطول زمان أعرضوا وقالوا: فلم لا نهيتنا أوّل مرة؟! فأين المصالح التي يزعم القوم تحصيلها .. ؟! وقل لي بربك كم حرمت الأمة من الخير وكم وقع فيها من الشر بسبب الخلط في هذا الباب .. ؟!
فإن قيل وهو الوجه الثاني:
(1) انظر فتح الباري 1/ 32.