الصالحَ والطالحَ، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمّهم الله تعالى بعقابه فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [1] .
أقول: وعلى مثل ذلك فلتبك البواكي، والنووي رحمه الله تعالى توفي في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة، والحال ما ذكر، فكيف به لو رأى ما آل إليه الحال في زماننا ونحن بعده بما يزيد عن سبعة قرون، وقد صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وصار السعي في تحصيل ملذات الدنيا وشهواتها باسم الدين ديدنًا للناس ودينًا، وإلى الله وحده الشكاية وإليه وحده بثُّ الهموم والأحزان، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.
تضييع هذا الأصل والخلط فيه بحجّة تحصيل المصالح ودرء المفاسد:
وبيانه أن مراعاة ذلك في الأمر والنهي وإن كان مطلوبًا للشارع مأمورًا به لكن ما كلّ ما ادّعي أنه مصلحة فهو مصلحة في ذات الأمر أعني من جهة اعتبار الشارع له، وفي المقابل ما كلّ ما ادّعي أنه مفسدة فهو فسدة في نفس الأمر، وإنّما المعتبر من ذلك ما اعتبره الشارع ولا مزيد، والقوم إنما دُخِل عليهم من هذا الباب فوقع بسبب ذلك فساد عظيم، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
أنهم جعلوا القيام بهذه الفريضة من تنفير الناس عن الدين وصدهم عنه، وهذه مفسدة بزعمهم، ورأوا في السكوت عن ذلك إقبال الناس ورضاهم وغشيانهم مجالسهم، وهذه مصلحة بزعمهم.
والجواب عن ذلك أن يُقال: أن غالب ما يقع فيه الناس من المنكرات هو مما ألفته نفوسهم وورثوه عن آبائهم وأسلافهم، وهو لا محالة إمّا يوافق هوىً وإما يوافق شبهة، وهذا شأن النفوس أنّها تأنس بالعوائد الرديئة، خاصة وأن ذلك يوافق ما يّن لها من حب الشهوات، وما جُبلت عليه من ميلها إليها، ولذا بيّن ربّنا تبارك وتعالى أن هذا مما حصل بسببه الإعراض عن الدين تحذيرًا من التهاون فيه والوقوع في مثله، فقال
(1) مسلم بشرح النووي 1/ 2/24.