الصفحة 74 من 90

من آكد الأصول الإسلامية وأوجبها وألزمها، وقد ألحقه بعضهم بالأركان، التي لا يقوم بناء الإسلام إلا عليها، وهو من فروض الكفاية لا يسقط عن المكلفين إلا إن قام به طائفة يحصل بها المقصود الشرعي، وفرض الكفاية آكد من فرض العين من جهة متعلّقه، لأن الخطاب به لجميع الأمة، وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك، والعمل لغير الله، وشرع الجهاد لذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأمر والنهي، ولولا ذلك ما قام الإسلام ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته [1] .

والحاصل أن الأدلة من الكتاب والسنة ثم أقوال الثقات من أهل العلم قد تضافرت على تقرير هذا الأصل وبيان محلّه من الدين، ولو ذهبنا نتتبّع جميع ما ورد في ذلك لطال الفصل -وإنما ذكرت ما ذكرت ههنا لما رأيناه في زماننا وما رآه غيرنا من تضييع لهذه الفريضة وتهاون في القيام بها، وأحسن القوم حالًا من يحتج على تركه بالباب الذي نحن بصدد الحديث عنه، أعني قواعد المصالح والمفاسد، فعُطِّل باسم ذلك كلّه الدين، وظهر الشرك والفساد في الأرض، وعاث المبطلون في الأرض فسادًا، يحكمونها بغير شريعة الله فغيّرت منارات الأرض، واعتدي على الدين والنفس والعرض، وازدحمت سجون أعداء الدين بالصالحين من عباد الله وأولياءه، بل بالمؤمنات الطاهرات الصالحات القانتات، يجأرْنَ إلى الله وما من مجيب، وأبيحت ديار الإسلام لكلّ صليبي حاقد، وماكر خبيث فنهبوا خيراتها واستباحوا حرماتها، والقوم عن هذا كله في غفلة معرضون، وزعموا أن"مصلحة الديانة"في السكون عن ذلك والصبر عليه وأن المفسدة في إنكاره وتغييره، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في موازينهم مبتغ تفرقة أهل الإسلام ساع بالفتنة بينهم ولا حول ولا قوّة إلا بالله.

واعلم أن تضييع هذا الأصل ليس حادثًا في الأمة، بل قال النووي رحمه الله تعالى في شرح الصحيحين: واعلم أن هذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيّع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه وإذا كثر الخبث عمّ العقاب

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 8/ 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت