والشاهد فيه استنكار عمر رضي الله عنه إرادة الصلاة على عبد الله بن أبي لما عُرف به من شدة صلابته في الدين وبغضه الكفار والمنافقين، ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه ذلك.
ومنها قول عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب رأس هذا المنافق .. ! مع ما كان لحاطب رضي الله عنه من الفضل كشهود بدر وغيره، والحديث رواه الشيخان وأحمد في المسند من حديث علي رضي الله عنه.
وجملة القول أن هذا الباب من أعظم أبواب الدين وأجلّها مقامًا وأرفعها منزلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"والأمر بالمعروف وهو الحق الذي بعث الله به رسوله، والنهي عن المنكر وهو ما خالف ذلك من أنواع البدع والفجور، بل هو من أعظم الواجبات، وأفضل الطاعات، بل هو طريق أئمة الدين، ومشايخ الدين، نقتدي بهم فيه، قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وهذه الآية بها استدلّ المستدلّون على أن شيوخ الدين، يقتدى بهم في الدين، فمن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر لم يكن من شيوخ الدين ولا ممن يقتدي بهم" [1] .
وقال رحمه الله تعالى في رسالته السالفة الذكر:"وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى، حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها إما بمعروف وإما بمنكر، كما قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} ، فإن الأمر هو طلب الفعل وإرادته، والنهي طلب الترك وإرادته، ولا بد لكل حي من إرادة وطلب من نفسه يقتضي بهما فعل نفسه، ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك، فإن الإنسان حي يتحرّك بإرادته، وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدًا فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر".
وفي رسائل أئمة الدعوة النجدية قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن في جوابه على بعض السائلين: وكما ذكرتَ من طلب الفائدة بما ورد من النصوص الشرعية الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا مما لا يخفى على آحاد العامة من المسلمين فضلًا عن الطلبة والمتعلّمين، وهذا الأصل
(1) مجموع الفتاوى 11/ 510.