قد قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في شرحه:"في الحديث من الفوائد: أن الاحتراز من النجاسة كان مقررًا في نفوس الصحابة رضي الله عنه ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى الله عليه وسلم قبل استئذانه، ولما تقرر عندهم أيضًا من طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" [1] .
وقال الصنعاني رحمه الله تعالى في شرح البلوغ:"ولأن الصحابة لما تبادروا إلى الإنكار أقرّهم صلى الله عليه وسلم وإنما أمرهم بالرفق كما في رواية للجماعة إلا مسلمًا أنه قال:"إنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين"ولو كان الإنكار غير جائز لقال لهم: إنه لم يأت الأعرابي ما يوجب نهيكم له" [2] .
قلت: ومما يدل على استقرار ذلك في نفوس أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم أحاديث منها قصة الغلامين من الأنصار يوم بدر مع عبد الرحمن بن عوف، وقول كل واحد منها له: يا عمّ أتعرف أبا جهل .. ؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي .. ؟ قال: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا .. الحديث. فتأمّل ذلك .. !
ومنها ما في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه في استئذان عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساءٌ من قريش يكلّمنه ويستكثرن عالية أصواتهنّ، فلما رأين عمرَ بادرن الحجاب، فأنكر عليهن رضي الله عنه وقال: أي عدوّات أنفسهنّ! أتهبنني ولا تهبن رسول الله ... الحديث. والشاهد فيه مبادرته بالإنكار عليهنّ.
ومنها حديث ابن عمر في الصحيحين كذلك لما توفي رأس النفاق ابن سلول وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربّك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما خيّرني الله فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} وسأزيد على السبعين) فقال: إنه منافق .. ! قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} .
(1) فتح الباري 1/ 324، والشاهد قوله: ولهذا بادروا ... الخ.
(2) سبل السلام 1/ 32.