الصفحة 77 من 90

إنما المصلحة في مخالطتهم مع التدرّج في الإنكار عليهم، وليس المقصود السكوت عن باطلهم مطلقًا، بل إنما نتألّفهم أولًا بحسن المعاشرة، وجميل المودّة، حتى إذا ما تحصّل لنا ذلك أنكرنا عليهم بعدُ وبيّنّا ما يجب علينا بيانه من ذلك ... ؟!

قلنا: في هذه زلّت الأقدام، فإن المخالطة المزعومة يحصل بها جملة من المفاسد.

منها:- أن يتخذ أصحاب هذه المنكرات سكوت العالم عن المنكر حجّة على جواز فعله ولو كان سكوته عنه إلى حين كما قيل:

أمعاشر العلماء إنّ سكوتكم ... من حجّة الجهّال والضّلال

إن قلت قال الله قال رسوله ... قال الصحابة سادة الأجيال

سيقول شيخي قال لي عن شيخه ... والشيخ عندي عمدة الأقوال

ومنها:- أن النفوس من طبائعها أن تتبلّد أمام المشاهد المحسوسة المتكرّرة، وإن كانت تراها عظيمة لأوّل مرة، لكن لا يلبث ذلك حتى يزول بالمشاهدة والتكرار، وهذه السموات السبع وهي سقف العالم كله على عظيم اتساعها وما فيها من أجرام وكواكب مرفوعة بغير عمد بقدرة الواحد القهّار جلَّ جلاله، وهي على كرّ العصور ومرّ الدهور لا يعتريها تغيّر ولا بِلى، ولا تصدّع ولا فطور، ومع ذلك كم من البشر يمرّون على هذه الآية وهم عنها معرضون .. ؟!

وهذا الإنسان على ضعفه وعجزه كم أودع الله فيه من أسرار حكمته وعجائب قدرته ما تحار معه العقول وتخبت له القلوب والناس في غفلة عن هذا كله .. ؟! وهذا الحال بعينه يحصل مع ما يألفه المرء من المنكرات والضلالات .. ! وكم رأينا بأنفسنا من خالط أصحاب المنكرات زاعمًا أنه يتألفهم ويتدرّج في الإنكار عليهم حتى صارت رؤية منكراتهم إلفًا له وعادة .. ؟!

والعجب ما رأيناه من بعضهم أن الأمر قد بلغ بهم إلى أن يعدّ التبلّد والسكوت عما يراه من المنكر على جلسائه من الحكمة والصبر والعزيمة، فترى محارم الله تنتهك في مجالسهم ولا يتحرّك لهم طرف ولا يهتزّ لهم جفن، ولو أنكر أحد ما يراه في مجالسهم من الباطل شنّعوا عليه ورموه بكل عيب ونقيصة وقالوا مفسد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت