الصفحة 70 من 90

إخراج الحي من الميت بصيغة الفعل لكونه أظهر في القدرة فأتى بلفظ الفعل ليدل على أن الفاعل معتن بالفعل في كل وقت وحين، ومثل ذلك ما ذكره الجرجاني في دلائل الإعجاز في قوله سبحانه: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ} فقد ذكر فيه الرزق بلفظ الفعل لأنه يفيد أنه تعالى يرزقهم حالًا فحالًا وساعة فساعة.

وكما نعته تعالى بذلك نعت به أمته أيضًا فقال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] ونحوه قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] ، وقال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 113 - 114] .

فأتى في جميع ذلك بلفظ الفعل ليدلّ على أن هذه الفريضة متجددة مستمرّة تعتني بها الأمة في كل آن وحين وأنها من أعظم أوصافها وبها كانت خير أمة أخرجت للناس.

قال الشوكاني رحمه الله في فيض القدير الله تعالى: قوله {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أي أظهرت لهم، وقوله (تأمرون بالمعروف الخ) كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك، ولهذا قال مجاهد إنهم خير أمة على الشرائط المذكورة في الآية، وهذا يقتضي أن يكون تأمرون وما بعده في محل نصب على الحال أي كنتم خير أمة حال كونكم آمرين ناهين مؤمنين بالله وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه ورسوله وما شرعه لعباده، فإنه لا يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور. اهـ.

ولما كان هذا الباب من أعظم الأبواب التي يحفظ بها الدين وتنصر بها الشريعة غلّظ سبحانه في شأن تركه والتهاون فيه كما قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت