وقد قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم: 23] وقد أنذر عليه السلام بقوم يستحلّون الخمر يسمونها بغير اسمها. (انتهى) [1] . وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الثالثة من صور المخالفة للشرع في باب المصالح والمفاسد:
مكايد إبليس للعباد في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ولنبدأ أولًا بذكر منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين فنقول وبالله التوفيق:
اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أركان الشريعة القويمة وآكد فرائضها حتى جعل ربنا تبارك وتعالى مدار بعثة نبيّنا صلى الله عليه وسلم عليه كما قال عز وجل: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ... } الآية [الأعراف: 163] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقوله سبحانه في صفة نبيّنا صلى الله عليه وسلم {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} هو بيانٌ لكمال رسالته فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر على لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر وأحلّ كلَّ طيّب وحرّم كلَّ خبيث [2] .
قلت: جملة (يأمرهم ... ) يحتمل أن يراد بها ابتداء وصف الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قيل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ويحتمل أن يكون متعلقًا بـ (يجدونه) فيكون في موضع الحال على سبيل التجوّز، وقيل هو في محل نصب حال من الرسول، وقيل هو مفسّر لـ (مكتوبًا) في قوله (مكتوبًا عندهم) ، وإنما أتى بالجملة بلفظ الفعل لأن لفظ الفعل يفيد التجدّد والاستمرار والاعتناء ساعة فساعة في كل حين وآن، فكأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعل متجدّدٌ مستمرٌّ لا ينتهي ولا يتوقّف، وذلك على نحو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} [الأنعام: 95] ، فذكر
(1) أحكام الأحكام 2/ 279.
(2) مجموع الفتاوي 28/ 121.