فإذا أرادوا أنه يقولوا اسمع (قالوا) [1] راعنا ويورّون بالرعونة كما قال تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46] [2] .
قلت واعلم أن اليهود لعنهم الله أصل في تحريف الألفاظ وتبديلها فقد حكى الله تبارك وتعالى عنهم لما أمرهم أن يدخلوا القرية والباب سجدا ويقولوا حطة {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 59] روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاهم، فبدلوا وقالوا حبة في شعْرة) ، وكذلك مما ورد في السنة من تبديلهم الألفاظ أنهم كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: «السّام عليك يا أبا القاسم» وفي رواية في الصحيح أن عائشة قالت لهم «عليكم السّام والذام واللعنة» ، وكذلك فإن التحيّل على الدين مداره على تبديل الأسماء وتسمية الشيء بغير اسمه.
ونقل العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان عن شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى، وجوها عديدة في إبطال الحيل التي تجعل الباطل حقًا والحق باطلًا فقال: «الوجه الثاني عشر: أن باب الحيل المحرمة مداره على تسمية الشيء بغير اسممه، وعلى تغيير صورته مع بقاء حقيقته فمداره على تغيير الاسم مع بقاء المسمّى وتغيير الصورة مع بقاء الحقيقة .. ثم ضرب مثالًا بالمحلل .. ثم قال/ ومعلوم قطعًا أن لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك إنما هو لما فيه من الفساد العظيم الذي اللعنة من بعض عقوبته، وهذا الفساد لم يزل بتغيير الاسم والصورة مع بقاء الحقيقة ... إلى أن قال .. فإن المفسدة تابعة للحقيقة لا للاسم ولا لمجرد الصورة .. قلت/ فليتأمل القوم ما تلهج به ألسنتهم من تلك المقالات والعبارات، وإن ألبسوها رداء الإسلام إلا أن حقائقها على ما هي عليه لم تتغير ولم تتبدل إذ المعنى المراد منها والشائع ما اصطلح عليه واضعوها والله المستعان وقال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى فحرام أن يسمّى الحق باسما لباطل والباطل باسم الحق،
(1) غير موجودة في المطبوع والسياق يقتضيها.
(2) تفسير ابن كثير 1/ 158.