ذكر تعالى عذره في ذلك وأنه قال: {ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 150] يقول لأخيه لا تجعلني في منزلة من خالف أمرك وعصاك، وظلم نفسه بعبادة العجل، وعن مجاهد أن القوم الظالمين هم عبدة العجل، كذا ذكره ابن جرير، فكان حال هارون عليه السلام وعذره في ذلك بين أمرين، بين خشيته أن يسير بمن آمن معه ويدع من كفر منهم وقد أمر بمنعهم من ذلك والحيلولة بينهم وبينه، وبين استضعاف القوم له حتى كادوا يقتلونه، فأنكر عليهم ما قدر عليه من عبادة العجل واعتذر عما لم يقدر عليه من منعهم منه والسير بهم إلى موسى عليه السلام، وفي قوله تعالى ولا تجعلني مع القوم الظالمين دليل على أنه عليه السلام قام بما هو أصل دعوة الأنبياء والرسل من الإنكار عليهم وتحذيرهم من الشرك الذي وقعوا فيه ونهيهم عنه، فإنه لو لم يفعل لدخل في جملتهم وكان حكمه حكمهم، وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه، فقبل موسى عليه السلام عذره، و {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151] وهذا الجواب الذي ذكرناه هو الموافق إن شاء الله تعالى لما حكاه سبحانه عن الأنبياء والرسل من أن أصل دينهم واحد، وأن مفتاح دعوتهم إلى الله تعالى هو دعوة الناس إلى التوحيد والكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده، فأين هذا مما يهرف به القوم، والله المستعان.
الثانية: استعمال اصطلاحات وألفاظ موهمة دخيلة في إيصال الحق للناس على أنه من باب اللين والحكمة.
أقول وبالله التوفيق، الألفاظ خيول المعاني، ولا سبيل لمعرفة المعنى المراد من الخطاب إلا بالدلالة عليه باللفظ، ولذا فإن هذا الموضع من أشد المواضع وأكثرها خطورة لما قد يتخذه أعداء هذا الدين وأصحاب الضلالات والأهواء سبيلًا لصرف الأمور عن حقائقها بتسمية الأشياء بغير أسمائها، ومن القوم من يرى في استخدام الألفاظ التي وضعها الشارع أو بعضها للدلالة على ذواتها وحقائقها شدة وغلظة، كألفاظ الكفر والشرك والردّة، وفي مقابلها ألفاظ التوحيد والإسلام والإيمان وغير ذلك مما جاءت به الشريعة أو مما اصطلح عليه علماء الأمة للدلالة على أمور معينة معلومة، كألفاظ الجهاد، ودفع الصائل، وقتال أعداء الدين، ولفظ دار الكفر ودار الإسلام، وكذا دار الحرب ما جرى مجرى ذلك، ويرى في المقابل نفور الناس منها وإعراضهم عنها وصدودهم لمن يتلفظ بها فيعمد حين ذلك -للمصلحة بزعمه- إلى استعمال اصطلاحات موهمة، ولا