الصفحة 63 من 90

هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه: 91 - 94] وشاهدهم في ذلك قوله تعالى في الآية حكاية عن هارون عليه السلام إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل فذكر حرصه على دفع مفسدة تفرّقهم مع ما كانوا عليه من عبادة العجل .. !

قلت: الجواب عن ذلك أن يُقال أولًا: ذكر ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره أن أهل العلم ر حمهم الله قد اختلفوا في صفة التفريق بينهم الذي خشيه هارون عليه السلام فقال بعضهم: كان هارون خاف أن يسير بمن أطاعه وأقام على دينه في أثر موسى، ويُخلف عبدة العجل، وقد قالوا له {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} فيقول له موسى {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} بسيرك بطائفة منهم وتركك طائفة وراءك وروى ذلك بإسناده عن ابن زيد، وروى عن ابن جريج رحمه الله أن المعنى خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضًا، ثم قال ابن جرير رحمه الله: وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي قاله ابن عباس من أن موسى عذل أخاه هارون على تركه اتباع أمره بمن اتبعه من أهل الإيمان فقال له هارون إني خشيت أن تقول فرقت بين جماعتهم، فتركت بعضهم وراءك، وجئت ببعضهم وذلك بيّنٌ في قول هارون للقوم: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} وفي جواب القوم له وقولهم: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [1] .

قلت: وهذا الذي ذكره ابن جرير هو الحق إن شاء الله تعالى، ذلك أن موسى عليه السلام كان قد أوصى أخاه هارون عليه السلام كما في سورة الأعراف بقوله {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] فأمره أن يصلحهم ويحملهم على طاعة الله تعالى وعبادته وحده لا شريك له وكان من إصلاحه كما روى ابن جرير عن ابن جريج أن لا يدع العجل يعبد، ثم إن قوم موسى أضلهم السامري كما قال ربنا تبارك وتعالى عنهم فبادر هارون عليه السلام بالإنكار عليهم كما قال تعالى {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} فكان جوابهم أن قالوا {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} وأما مكثه عليه السلام معهم بعد إنكاره عليهم فإنه

(1) تفسير الطبري 9/ 16/203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت