الصفحة 61 من 90

• المقام الثالث: أن تعلم أن أغلب الناس إنما يسعون في تحقيق مصالح الدنيا وجلب منافعها ودفع مضارها، وكثير منهم يعتقد أن اتباعه لهذا الدين وقيامه به كما أمر لا يحصل إلا مع فوات شيء من مصالح دنياه أو وقوع بعض المضار مما لا يحتمله، فإذا وجد من يدعوه إلى تحصيل مصالح الدنيا وجلب منافعها ودفع مضارها على أنّ ذلك مما أقرّت بتحصيله الشريعة وجاء به الدين، سارع إلى تلبيته والإجابة إليه، طمعًا في تحقيق مصالحه تلك، ولا يزال أصحاب تلك الدعوات يعدونه ويمنّونه وغيره ممن اجتمع إليهم من العباد بتحسين أحوالهم في معايشهم ومكاسبهم وأرزاقهم، وأعداء الله تبارك وتعالى يحولون بين أصحاب هذه الدعوات وبين تحقيق ما وعدوا الناس به، حتى يظهر لأتباعهم عجزُهم عن ذلك وعدم قدرتهم عليه، فيصدون عن دعوتهم حين ذلك ويعرضون، ويتخذ أعداء الله ذلك ذريعة للطعن في الدين وأهله، ويهمون أولئك الهمج الرعاع أن ذلك لعدم صلاحية هذا الدين لتحصيل مصالح الدنيا وجلب منافعها .. !

فلا إله إلا الله .. ، كم صدرت هذه الفتنة الكثيرة من الخلق، بل أكثرهم عن القيام بهذا الدين ومعرفة حقيقته وأصل دعوته ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقارن -بربّك- بين حال هؤلاء القوم مع أتباعهم وبين أتباع الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم مع أتباعهم الذين قال الله تبارك وتعالى عنهم في كتابه الكريم {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 - 148] .

وأين حال أصحاب هذه الدعوات مع أقوامهم من حال رسولنا صلوات الله وسلامه عليه مع أصحابه الذين أوذوا وأخرجوا من ديارهم وأموالهم وفارقوا أزواجهم وأبناءهم لأجل الدين والتوحيد، والذين حصروا في شعب مكة ثلاث سنين لا يجدون ما يأكلون إلا ورق الشجر حتى تقرّحت أشداقهم وكان أحدهم يضع كما تضع الشاة من شدّة الجوع، فكلّ ذلك كان تحقيقًا لما دعاهم إليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده، رضي الله عنهم أجمعين، فإن كنت تأسى على أحد يا عبد الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت