الصفحة 60 من 90

وينقص حظّه من كرامته وثوابه، ويبعدها من قربة، وهو يظن أن ينفعها ويكرمها، وهذا غاية الجهل والظلم، والإنسان ظلوم جهول، فكم من مكرم لنفسه بزعمه، وهو لها مهُين، ومرفه لها، وهو لها متعب، ومعطيها بعض غرضها ولذتها، وقد حال بينها وبين جميع لذاتها، فلا علم له بمصالحها التي هي مصالحها، ولا رحمة عنده لها فما يبلغ عدوه منه ما يبلغ هو من نفسه» [1] .

قلت وإذا كان هذا حال العبد مع مصالح نفسه فلا شك أن حاله مع ما هو من مصالح الآخرة أعظم، فليس له إلا التسليم المطلق لما جاء به كتاب الله تعالى والاقتداء بدعوة الأنبياء والرسل إلى الدين والتوحيد، كما قال تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] .

• المقام الثاني: أن الله تبارك وتعالى إنما أمرنا بدعوة الناس إلى دينه والاعتصام بحبله وكل فرقة وخلاف جاء الكتاب والسنة بذمّه فإنما هو ما كان لأجل الدنيا والتنافس عليها، أما إذا كان الافتراق لأجل الدين والتوحيد وبيان سبيل المؤمنين من سبيل أعداء هذا الدين، فإنه والله افتراق محمود بل واجب مفروض، وقد قال تعالى {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] وما هذا التفصيل المشار إليه هنا إلا بيان آيات التوحيد والدعوة إليه وفي مقابله بيان الشرك والتحذير منه، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى توحيد الله والإيمان به، حتى فرق الله به بين المرء وزوجه، والأم وولدها، والأخ وأخيه، وسنته في ذلك سنة أنبياء الله ورسله من قبل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقول الله تبارك وتعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] دليل على أن الاجتماع إنما يكون على التمسك بدين الله الذي أُمرنا به والتزام كلمة الحق والتسليم لأمر الله تعالى، دلّ على ذلك تقييد الاعتصام بحب الله في الآية، وقد ذكر ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أن حبل الله هو الجماعة وروى عنه كذلك وعن قتادة والسدي ومجاهد وعطاء والضحاك أنه كتاب الله، وعن أبي العالية وآخرين أنه إخلاص التوحيد لله تعالى [2] .

(1) إغاثة اللهفان 2/ 251.

(2) تفسير الطبري: 3/ 4/30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت