الصفحة 59 من 90

وسلم مسلمهم وكافرهم وكان يقبل نصحهم، وكل هذا في الصحيحين ثم قال رحمه الله تعالى فأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه بل هذا أحسن لأن كتبهم لم يكتبوها لمعيّنٍ من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة، وليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة، بل هي مجرد انتفاع بآثارهم، كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك [1] ، فهذا الذي نقول بين واضح ولله الحمد وليس بين تحصيل شيء من هذه المصالح ودعوة الناس إلى المصلحة العظمى مصلحة التوحيد شيء من العارض ولله الحمد، ولا يزعم ذلك إلا جاهل بمطالب الدين والشريعة، وإنما حصل التعارض في أذهان القوم لمَّا رأوا أن دعوة الناس إلى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده تستلزم افتراق الناس إلى فريقين. وإعراض أكثرهم عن متابعة الدين والشرع إلى م تابعة ما ورثوه عن آبائهم وأسلافهم وقلّدوهم فيه في الحب والبغض والمولاة والمعاداة، ورأوْا في مقابل ذلك أن جمعهم على تلك المصالح الدنيوية ودعوتهم إليها أيسر وأسهل لاجتماعهم وأدعى للتأليف بينهم، فحسبوا أن اجتماعهم ولو على ذلك مصلحة مطلوبة يجب تحصيلها وتحصيل أسبابها، وأن تفرقهم مفسدة يجب دفعها.

وكذلك يُقال لمن انشغل عن دعوة الناس إلى الدين والتوحيد وعن محاربة ما انتشر بينهم من الشرك بالله والكفر بآياته والاستهزاء بدينه، بدعوتهم إلى محاربة ما هو دون ذلك من فساد في المعاملات والأخلاق وغير ذلك فإنه ترك دفع ما هو أعظم المفاسد على الإطلاق واشتغل بدفع غيرها مع أنه لا تعارض بين دفع جميعها ولو افترضناه لكان دفع الشرك أولى والله أعلم.

• ثم اعلم -وفقك الله تعالى- أن طريق دفع ما وقع فيه القوم من الشبهات في هذا الباب يكون في مقامات عدة:

• فأما المقام الأول: فهو أن تعلم أن العبد لا سبيل له لمعرفة شيء من مصالح نفسه فضلًا عن مصالح دينه إلا بتعليم الله تعالى له، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى «وقد وسع ربنا كلّ شيء رحمة وعلما، فوسعت رحمته كل شيء، وأحاط بكل شيء علمًا فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، بل هو أرحم بالعبد من نفسه كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه، والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها يسعى فيما يضرّها ويؤلمها،

(1) مجموع الفتاوى 4/ 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت