سألوا تحصيلًا لمصلحة إسلامهم وطمعًا في دخولهم هذا الدين وقد ذكر ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيرها [1] عن قتادة ومجاهد أنهم أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا، فأرادوه على بعض ما يريدون، فهمّ أن يقارفهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله، كذا قال قتادة، وقال مجاهد رحمه الله قالوا له: ائت آلهتنا فامسسها.
وذكر كذلك عن ابن عباس رضي الله عنه أن ثقيفًا كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يهدى لآلهتنا أخذناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة، فهمّ رسول الله أن يعطيهم ويؤجلهم، فقال الله {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} ومع هذا الذي أراده صلوات الله وسلامه عليه فإن الله تبارك وتعالى بيَّن له ما ذكر في الآيتين وأن المصلحة في هذا الثبات على أصل الدين ودعوة الناس إليه، دون مواراة أو مداراة أو ركون إلى ما يطلبونه ويسألون فمن شاء بعد ذلك آمن ومن شاء بعد ذلك كفر.
ومثل هذا بل أشدّ منه يُقال في جمع الناس على مصالح الدنيا مع الإعراض عن دعوتهم إلى هذا الأصل وإهماله فإنه إذا كان لا يجوز تقديم شيء من مصالح الآخرة المكملة للتوحيد عليه، فمن باب أولى أن يُقال: لا يجوز الانشغال بدعوة الناس إلى شيء من مصالح الدنيا والإعراض عن دعوتهم إلى توحيد الله تعالى، والذي هو أصل المصالح كلها كما سبق بيانه، ولسنا ننكر العمل على تحصيل مصالح الدنيا من المكاسب والمعايش والأرزاق ولا تحصيل العلوم الدنيوية النافعة كعلم الطب وغيره بل نقول تحصيلها من فروض الكفايات على الأمة، ولو أن الأمة تركت تحصيل ذلك حملةً لأثمت، ولأن ذلك من المصالح العامة التي تنزّل منزلة الضرورة الخاصة، فوجب على مجموع الأمة أن تقدّم لتحصيل هذه العلوم من تتحقق به الكفاية بذلك ولو كان تحصيل هذه العلوم لا يتم إلا بأخذها من الكفار، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن الانتفاع بآثار الكفار في أمور الدنيا جائز واستدلّ على ذلك باستئجار النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لما خرجا من مكة مهاجرين «ابن اريقط» رجلًا من بني الدَّيْلِ هَادِيًا خَرِيتًا، والخريت الماهر بالهداية، وائتمناه على أنفسهما ودوابهما ووعداه غار ثور صبح ثالث، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه
(1) تفسير الطبري/ 130.