ومنهم من يجمع الناس على محاربة ما انتشر بينهم من أنواع المفاسد في الإدارات والمعاملات والأخلاق مما هو معروف مشهور ويعرض عن دعوتهم إلى نبذ ما هو سبب لذلك كلّه مما هو مشتهر بينه من الشرك والكفر والله المستعان.
وقس على ذلك كل من اشتغل عن دعوة الناس إلى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده لا شريك له بغير ذلك من المصالح الدنيوية بل وحتى الانشغال عن هذا الأصل الأصيل والركن العظيم بغيره من مصالح الآخرة مما هو مكمل له ولا يصح إلا به كما هو حال القوم على نحو ما ذكرت لك.
وكأني بعد ذلك بجاهل قد قرأ كلامي هذا فظن أني أنكر أصل ما عند القوم أو أنّي أدعوا إلى إهماله وتركه والإعراض عنه .. ! فلا يعجل .. فليس الأمر بحمد الله تعالى على ما يظن، فإنّ الله تعالى قد أمرنا بالدخول في السلم كافة وأمرنا بأن نأخذ ما آتانا بقوة، وحذّرنا من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، ولسنا بحمد الله تعالى ممن يقول إن الدين قشر ولباب ومعنى هذا أنه يؤخذ لبّه ويرمى قشره، نعوذ بالله من الضلالة، إلا أننا نقول إن جميع مصالح الآخرة مما يجتمع القوم عليه من طلب العلم وتحصيله، والاجتهاد في الطاعات والعبادات وتهذيب النفوس وتزكيتها وإعداد العدة للجهاد وغير ذلك كله إنما شرع مكملًا للتوحيد متمما له، ولا يقبل من العبد منه شيء حتى يأتي بما لا يصح إلا به وهو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده، وقد قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة: (بعثت لأتمم صالح الأخلاق) ونحوه عند الحاكم والبيهقي بلفظ (إنما) في أوّله، ومع ذلك لم يقل أحد إنه صلوات الله وسلامه عليه انشغل بهذا عن دعوة الناس إلى الأصل الذي بعث به أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، بحجة أن في ذلك تنفيرًا لهم عن الدين، وأن المصلحة في جمعهم على ما كنوا يحبونه من كفر وباطل دعاهم إلى التوحيد بعد ذلك وأمرهم به .. !
بل إنه صلوات الله وسلامه عليه لما كاد يميل إليهم ويفعل بعض الذي كانوا سألوه قال الله تبارك وتعالى {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 73 - 75] ولسنا نشك بحمد الله تعالى أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه إنما أراد أن يعطيهم ما