الصفحة 27 من 90

وكلّ هذه وإن كانت من عبارات الأصوليّين والفقهاء إلّا أنّ بينها وبين باب المصالح والمفاسد فروقًا يؤدّي الجهل بها إلى فساد عظيم وشرّ كبير كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، حتّى إذا ما أكرتَ جهلَ القوم في هذا الباب، وأتيت بنيانهم من القواعد بإقامة الدّليل والبرهان على بطلان ما أصّلوه وفساد ما ذهبوا إليه رموك بكلّ عيب ونقيصة واتّهموك بضيق الفهم وقلّة الإدراك وقالوا رجل يحسن علوم الشّرع ولا يحسن"السّياسة"، وكأنّ علوم الشّرع في واد والسّياسة في واد، ولست أرى ذلك إلّا أثرًا من آثار الكلمة الجاهليّة (لا سياسة في الدّين ولا دين في السّياسة) ويا ليت قومي يعلمون أنّ غاية ما يدّعونه من الفهم والعلم أن يعرض على فقه الدّين والشّرع، والشّرع بحمد الله تعالى لم يدع شيئًا إلّا وعلّمنا إيّاه حتّى الخِراءة كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، فما ظنّك بما هو أعظم من ذلك ممّا يضبط علاقة الحاكم بالرّعيّة وواجبات كلّ منهما وعلاقة الأمّة بغيرها من الأمم، وكلّ ذلك مبناه على قواعد المصالح والمفاسد التي ضبطها وحدّها الشّارع الكريم، وليست السّياسة الشّرعيّة إلّا ما ذكرت، وكلّ ما سوى ذلك ممّا يدّعيه القوم متى خالف شيئًا ذكرناه فالقول فيه ما قاله نبيّنا صلوات الله وسلامه عليه كما في الصّحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ) .

نعم ذكر بعض الأئمّة رحمهم الله تعالى كلامًا ظاهره التّفريق بين المصالح والشّرائع ينبغي التّنبيه عليه هنا خشية أن يُحمل حَسنُه على غير وجهه أو يُغترّ بباطله، منهم الإمام الشّيخ شاه ولي الله الدّهلوي في كتابه القيّم (حجّة الله البالغة) فإنّه قال رحمه الله في باب الفرق بين المصالح والشّرائع كلامًا محصّله أنّ الشّارع أفادنا نوعين من العلم متمايزين بأحكامهما متباينين في منازلهما: فأحد النّوعين علم المصالح والمفاسد وجعل من ذلك ما بيّنه الشّارع من تهذيب النّفس باكتساب الأخلاق النّافعة في الدّنيا والآخرة وإزالة أضدادها كما جعل منه تدبير المنزل وآداب المعاش وجعل منه سياسة المدينة وذكر أنّ هذا النّوع من العلوم غير مقدّر بمقادير معيّنة، ومُبْهَمُهُ غير مضبوط بحدود معروفة، ولا مميّز بأمارات معلومة، بل رغّب في المحامد وزهّد في الرّذائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت