الصفحة 26 من 90

عن زيد بن وهب قال: مررت بالرّبذة فإذا أنا بأبي ذرّ رضي الله عنه، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا ... ؟ قال: كنت بالشّام فاختلفت أنا ومعاوية في {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن اقْدَمِ المدينة، فقدمتها فكثر عليّ النّاس حتّى لكأنّهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيّت فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا عليّ حبشيًا لسمعت وأطعت.

قلت: الحديث أخرجه البخاري في كتاب الزّكاة باب ما أدّى زكاته فليس بكنز، وقد قال الحافظ رحمه الله في شرحه:"أمره عثمان بالتّنحي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور، فاختار الرّبذة"، وقال في بيان فوائد الحديث:"وفيه ... تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، لأنّ في بقاء أبي ذرّ بالمدينة مصلحة كبيرة من بثّ علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقّع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشّديد في هذه المسألة ..."انتهى [1] .

أقول وبالله تعالى التوفيق: إنّما ذكرت ما ذكرت في هذا الفصل مع طوله لأبيّن أنّ مردّ هذه القواعد إلى الشّرع، وأنّها توزن به، وأنّ التّرجيح بين المصالح والمفاسد وما يجب تقديمه وما لا يجب من ذلك إنّما يعرف بدليل الشّرع والدّين لا بالظّنّ والهوى، فإنّ الموضع مدحضة مزلّة، والنّاس فيه على فيقين، فرّط فيه قوم فضيّعوا من أصول هذا الدّين العظيم وأهملوا مصالحه التي دلّ الدّليل على اعتبارها وقدّموا على ذلك ممّا ظنّوه مصلحة ما لا نسبة بينه وبين الذي أخّروه، وإنّما هو كتقديم القياس على النّص بل هو أشدّ، وليتهم لم يتجاوزوا هذا الحدّ المذكور، بل زعموا أنّ ذلك هو محض الفقه وخلاصة الفهم، وأصّلوا لذلك قواعد وأصولًا يبنون عليها ما يذهبون إليه بزعمهم من المسائل، وإنّما هي مع قواعدها كورك على ضلع لا يقرّ لها قرار ولا يلتئم ما بينها بحال، وهم مع ذلك يحسبونه فقهًا وعلمًا، ويطلقون عليه اصطلاحات ذكرها الأئمّة رحمهم الله تعالى ظنًّا منهم أنّها اصطلاحات بلا قيد، كقولهم: هذا من باب رفع الحرج في الشّريعة، وكقولهم: هذا من باب المصالح المرسلة لا من باب الشّرائع، وكقولهم: هو من السّياسة الشّرعيّة وغير ذلك،

(1) فتح الباري 3/ 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت