رضي الله عنه أبي أصحاب عليّ عليه إلّا التّحكيم ثمّ اختلفوا عليه وقالوا: قال الله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} ولم يقل حاكموهم، فإن عدت إلى قتالهم وأقررت على نفسك بالكفر إذ أجبتهم إلى التّحكيم وإلّا نابذناك وقاتلناك، فأبى رضي الله عنه وقد أعطى العهود والمواثيق على الصّلح، ولمّا كتبت وثيقة الصّلح سأله أهل الشّام أن يمحو عن الوثيقة قوله أمير المؤمنين فمحاها رضي الله عنه تحقيقًا لأعظم المصلحتين وهي الصّلح وجمع كلمة أهل الإسلام، ودفعًا لأعظم المفسدتين وهي تفرّقهم واختلافهم، وكان تصديقًا لما أخبر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وما كان مراعاة ذلك منه رضي الله عنه -تحقيقًا للمصلحة العظمى- محوًا لنفسه من الخلافة والإمارة، بل الشّأن كان كما قال ابن عبّاس للخوارج كما رواه أحمد في مسنده:"والله لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير من عليّ، وقد محا نفسه، ولم يكن ذلك يمحوه عن النّبوّة .. الحديث".
وفي حديث الإفك الطّويل الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما والأربعة في السّنن من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا أسامة بن زيد وعليّ بن أبي طالب واستشارهما، قالت (عائشة) :"وأمّا عليّ ابن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك والنّساء سواها كثير، وإن تسال الجارية تصدقك .."وقول عليّ هذا رضي الله عنه هو موضع الشّاهد ووجهه ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه فقال: هذا الكلام الذي قاله عليّ حمله عليه ترجيح جانب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما رأى عنده من القلق والغمّ بسبب القول الذي قيل، وكان صلّى الله عليه وسلّم شديد الغيرة فرأى عليّ أنّه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقّق براءتها فيمكن رجعتها .. ويستفاد منه ارتكاب أخفّ الضّررين لذهاب أشدّهما .. وقال النّووي: رأى عليّ أن ذلك هو المصلحة في حقّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه فبذل جهده في النّصيحة لإراحة خاطره صلّى الله عليه وسلّم [1] . انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
قلت: وما قاله بحمد الله بيّن ظاهر وهو دليل على أنّ مراعاة المصالح والمفاسد أمرٌ مقرّرٌ في شريعتنا وعند أصحاب نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، وممّا يدلّ على عمل الصّحابة به كذلك ما رواه البخاري في صحيحه
(1) فتح الباري 8/ 468.