قال الحافظ رحمه الله تعالى:"الرّجل المتروك اسمه جُعيل بن سراقة الضّمري سمّاه الواقدي في المغازي" [1] .
قلت: ووجه الدّليل في هذا الحديث أشبه ما يكون بحديث فيء هوازن الذي مضى ذكره، وهو أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعطى أولئك الرّهط وحرم جُعيلًا مع كونه أحبّ إليه ممّن أعطى تقديمًا لمصلحة تأليف قلوبهم على الإسلام على مصلحة إعطائه، وترجيحًا لدفع المفسدة الأعظم وهي أنّه لو ترك إعطاء المؤلّف قلبه لم يؤمن ارتداده فيكون من أهل النّار، على مفسدة منعه جعيلًا رضي الله عنه، والله أعلم.
ومنه كذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: لمّا صالح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل الحديبيّة، كتب عليّ بينهم كتابًا، فكتب محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال المشركون: لا تكتب محمّد رسول الله، لو كنت رسولًا لم نقاتلك. فقال لعليّ: (امحه) ، فقال عليٌّ: ما أنا بالذي أمحوه، فمحاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده، وصالحهم أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيّام، ولا يدخلوها إلّا بجلبان السّلاح، فسألوه ما جلبان السّلاح؟ فقال: (القراب بما فيه) ، والحديث أخرجه كذلك النّسائي في السّنن وأحمد في مسنده، وعند النّسائي من حديث عليّ رضي الله عنه زيادة من قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهي أنّ عليًّا لمّا رفض أن يمحوه ومحاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (أما إنّ لك مثلها، وستأتيها وأنت مضطرّ) .
قال الحافظ رحمه الله تعالى:"يشير صلّى الله عليه وسلّم إلى ما وقع لعليّ يوم الحكمين فكان كذلك." [2] .
قلت: أمّا ما كان من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم الحديبيّة مع المشركين فوجه الدّليل فيه أنّه قدّم صلوات الله عليه وسلامه المصلحة العظمى هنا وهي إمضاؤه الصّلح لما فيه من النّفع العظيم للإسلام والمسلمين على مصلحة إثبات كونه رسول الله في كتاب الصّلح، إذ كان الصّلح مع المشركين ولم يكن إنكارهم نبوّته ولا محوه نفسه من الكتاب محوًا لنفسه من النّبوّة بل هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أقرّوا بذلك أو أنكروه، والله أعلم، وأمّا ما كان لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فإنّه كان يوم الحكمين كما قال الحافظ رحمه الله تعالى، وذلك أنّه لمّا أمر معاوية رضي الله عنه أصحابه برفع المصاحف وبما أشار عليه عمرو بن العاص
(1) فتح الباري 1/ 80.
(2) فتح الباري 7/ 503.