الصفحة 23 من 90

قال: (إنّ قومك قصرت بهم النّفقة) ، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: (فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أنّ قومك حديث عهدهم بالجاهليّة، فأخاف أن تنكر قلوبهم، أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه الأرض) . أخرجه البخاري بألفاظ عدّة في باب فضل مكّة وبنيانها.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه:"وفيه تقديم الأهمّ فالأهمّ من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنّهما إذا تعارضا بُدئ بدفع المفسدة، وأنّ المفسدة إذا أمُن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة".

قال مقيّده عفا الله عنه: ما ذكره الحافظ هنا لم ينبّه عليه الزّاهدي كذلك في (توجيه القاري) ، والله أعلم. وما ذكره هنا من الدّلائل على هذا الباب الذي نحن بصدده بيّن ظاهر، والحمد لله ربّ العالمين.

ومنه ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها ومن حديث أنس بن مالك وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، ولفظه من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصّلاة فابدءوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه) وكان ابن عمر يوضع له الطّعام وتُقام الصّلاة، فلا يأتيها حتّى يفرغ، وإنّه يسمع قراءة الإمام.

ووجه الدّليل فيه أنّ الشّارع الكريم قدّم مصلحة الخشوع في الصّلاة على مصلحة إدراك أوّل الوقت، وذلك لمّا كان حضور القلب في الصّلاة وانشغاله بها مقصودًا فيها، ودفع أعظم المفسدتين وهي انشغال القلب عنها بغيرها بارتكاب أخفّها وهو فوات أوّل الوقت والله أعلم.

ومنه ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما والإمام أحمد في مسنده واللّفظ للبخاري من حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعطى رهطًا وسعد جالس فترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلًا هو أعجبهم إليّ، فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان؟ فوالله إنّي لأراه مؤمنًا؛ فقال:"أو مسلمًا"، فسكتُّ قليلًا ثمّ غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان؟ فوالله إنّي لأراه مؤمنًا؛ فقال:"أو مسلمًا"، فسكتُّ قليلًا ثمّ غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ قال: (يا سعد إنّي لأعطي الرّجل وغيره أحبّ إليّ منه، خشية أن يكبّه الله في النّار) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت