الصفحة 22 من 90

بارتكاب ما هو أضعف منها ضررًا، وهو احتمال مفسدة بوله في المسجد، وأرشدهم إلى إزالتها بعد زوال المانع من ذلك، بأن يهريقوا عليه سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء مع حصول مصلحة تعليمه وإرشاده بالرّفق به وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا سبّ ولا تأنيب، وعند ابن حبّان في حديث أبي هريرة: فقال الأعرابي بعد أن فقه في الإسلام فقام إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم: بأبي أنت وأمّي، فلم يؤنّب ولم يسبّ.

قلت: وممّن أشار إلى هذا الحافظ رحمه الله في الفتح فإنّه قال:"لم ينكر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الصّحابة ولم يقل لهم لِمَ نهيتم الأعرابي .. ؟ بل أمرهم بالكفّ عنه للمصلحة الرّاجحة وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما" [1] .

تنبيه:"هذا الموضع المذكور هنا من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح لم يشر له الحافظ الشّيخ ثناء الله الزّاهدي في كتابه (توجيه القاري إلى القواعد والفوائد الأصوليّة والحديثية والإسناديّة في فتح الباري) في مبحث قواعد الفقه الكليّة من الكتاب -والله أعلم" [2] .

أقول: وممّن نبّه على استنباط هذه القاعدة من هذا الحديث كذلك الصّنعاني رحمه الله في السُّبُل حيث قال:"ومنها (أي من فوائد الحديث) دفع أعظم المضرّتين بأخفّهما لأنّه لو قطع عليه البول لأضرّ به وكان يحصل من تقويمه من محلّه مع ما قد حصل من تنجيس المسجد تنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد غير الذي قد وقع فيه البول أوّلًا" [3] . انتهى.

ثمّ إنّي رأيت الإمام بدر الدّين الزّركشي في كتابه (المنثور من القواعد) [4] قد نقل الاستدلال نفسه عن الإمام ابن دقيق العيد، فالحمد لله على ما ألهم وعلّم.

ومنه ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما واللّفظ للبخاري، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الجدر، أمن البيت هو؟ قال: (نعم) ، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت .. ؟

(1) فتح الباري 1/ 325.

(2) انظر توجيه القاري 149.

(3) سبل السّلام ج 1/ باب المياه الحديث العاشر.

(4) المنثور من القواعد للزّركشي 1/ 349.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت