الصفحة 21 من 90

فيما صنع رجعوا مذعنين ورأوا أنّ الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عَوْد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بلادهم فسلُّوا عن الشاة والبعير، والسّبايا من الأنثى والصّغير، بما حازوه من الفوز العظيم، ومجاورة النّبي الكريم لهم حيًّا وميّتًا، وهذا دأب الحكيم يعطي كلّ أحد ما يناسبه". انتهى."

ومنه كذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما واللّفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (إيّاكم والجلوس على الطّرقات) ، فقالوا: ما لنا بدّ إنّما هي مجالسنا نتحدّث فيها، قال: (فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطّريق حقّها) ، قالوا: وما هو حقّ الطريق؟ قال: (غضّ البصر وكفّ الأذى وردّ السّلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:"ويؤخذ منه أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة لندبه أوّلًا إلى ترك الجلوس مع ما فيه من الأجر لمن عمل بحقّ الطّريق وذلك أنّ الاحتياط لطلب السّلامة آكد من الطّمع في الزّيادة". انتهى.

ومنه كذلك حديث بول الأعرابي في المسجد وهو ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود والتّرمذي والنّسائي وابن ماجة في السّنن ولفظه عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله النّاس، فقال لهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم: (دعوه، وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء -أو ذنوبًا من ماء- فإنّما بعثتم ميسّرين ولم تُبعثوا معسّرين) ، ورواه البخاري كذلك من حديث أنس رضي الله عنه وفيه:"فصاح النّاس به"، وعند مسلم:"فقال الصّحابة مه مه".

ووجه الدّليل هنا أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم أمرهم بالكفّ عن الأعرابي لمّا كان زجره قد يؤدّي إلى مفاسد أعظم من مفسدة بوله منها تلويث مواضع في المسجد، ومنها تلويث ثيابه وتأذّيه بحبس بوله، وقد وقع في رواية البخاري من حديث أنس أخرجها في كتاب الأدب أنّه عليه الصّلاة والسّلام قال: (لا تُزْرِمُوه) بضمّ أوّله وسكون الزّاي وكسر الرّاء من الإزرام أي لا تقطعوا عليه بوله، ومنها ما قد يترتّب على الإغلاظ عليه في الإنكار من إعراضه عن الحقّ وتعلّمه وقبوله كما قال تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ، فدفع عليه الصّلاة والسّلام هذه المفاسد كلّها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت