الصفحة 20 من 90

وفي حديث عنده كذلك، عن عمرو بن تغلب رضي الله عنه قال: أعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قومًا ومنع آخرين فكأنّهم عتبوا عليه، فقال: (إنّي أعطي قومًا أخاف ظلمهم وجزعهم، وأَكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغناء، منهم عمرو بن تغلب) فقال عمرو بن تغلب: ما أحبّ أنّ لي بكلمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حمر النّعم.

ومع أنّ وجه الدّلالة في هذه الأحاديث على مراعاة قاعدة المصالح والمفاسد بيّن ظاهر إلا أنّني أورد هنا ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ذلك ملخّصًا من كلام ابن القيّم رحمه الله على هذا الحديث فإنّه نفيس جدًّا، قال ابن القيّم رحمه الله:"واقتضت حكمته أيضًا أنّ غنائم الكفّار لما حصلت ثمّ قسّمت على من لم يتمكّن الإيمان من قلبه لما بقي فيه من الطّابع البشري في محبّة المال، فقسّمه فيهم لتطمئنّ قلوبهم وتجتمع على محبّته، لأنّها جبلت على حبّ من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها لأنّه لو قسّم ذلك فيهم لكان مقصورًا عليهم، بخلاف قسمته على المؤلّفة لأنّ فيه استجلاب قولب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا ري رئيسهم، فلمّا كان ذلك العطاء سببًا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه تبعهم من دونهم في الدّخول فكان في ذلك عظيم المصلحة، ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكّة عند فتحها قليلًا ولا كثيرًا مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه، فحرّك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى كثيرهم أن يخرجوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم فكانوا غنيمة للمسلمين، ولو لم يقذف الله في قلب رئيسهم أنّ سوقهم معه هو الصّواب لكان الرّأي ما أشار إليه دريد فخالفه فكان ذلك سببًا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، ثمّ اقتضت تلك الحكمة أن تقسم تلك الغنائم في المؤلّفة قلوبهم ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثمّ كان من تمام التّأليف ردّ من سُبي منهم إليهم فانشرحت صدورهم للإسلام فدخلوا طائعين راغبين، وجبر ذلك قلوب أهل مكّة بما نالهم من النّصر والغنيمة عمّا حصل لهم من الكسر والرّعب، فصُرِف عنهم شرّ من كان يجاورهم من أشدّ العرب من هوازن وثقيف بما وقع بهم من الكسرة وبما قيّض الله لهم من الدّخول في الإسلام، ولولا ذلك، ما كان أهل مكّة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدّتها وكثرتها، وأمّا قصّة الأنصار وقول من قال منهم فقد اعتذر رؤساؤهم بأنّ ذلك كان من بعض أتباعهم، ولمّا شرح لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما خفي عليهم من الحكمة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت