الصفحة 19 من 90

وهذه المفسدة على عظمها إلّا أنّها أهون من الأولى لقوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] ، ثمّ ذكر الاعتداء على الأعراض وهو ثالثها في المنزلة، وإنّما خصّه بحليلة الجار لأنّه يجمع إلى إثم الزّنا تضييع حقّ الجوار المؤدّي إلى التّناحر والتّنازع والخلاف والشّقاق.

ومنه ما في الصّحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ أناسًا من الأنصار قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يعطي قريشًا ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس فَحُدِّث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبّة أدم، ولم يدعُ معهم أحدًا غيرهم، فلمّا اجتمعوا جاءهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: (ما كان حديث بلغني عنكم؟) ، قال فقهاؤهم: أمّا ذوو آرائنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأمّا أناس منّا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يعطي قريشًا ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إنّي أعطي رجالًا حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب النّاس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فوالله ما تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به) ، قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم: (إنّكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتّى تلقوا الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم على الحوض) .

وعند البخاري نحوه كذلك من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم وفيه: فخطبهم فقال: (يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي ... ؟) ، كلّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال: (ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ... ؟) ، قال كلّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال: (لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاة والبعير وتذهبون بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك النّاس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والنّاس دثار، إنّكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت