عنه فلذلك نسب إليه الافتراء، كأنّ المعنى لا ترموا أحدًا بكذب تزوّرونه في أنفسكم ثمّ تبهتون صاحبه بألسنتكم"انتهى."
وقد يحمل البهتان على معنى يقع أعمّ من اختصاصه باللّسان بدليل قوله: (تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) فإن الأيدي والأرجل آلات الأفعال وهي العوامل والحوامل للمباشرة والسّعي فيشمل كلّ فعل يؤدّي إلى لحوق المفسدة بشيء من الكلّيّات الخمس المذكورة، ومنها الجناية على العقل بشرب الخمر مثلًا، وممّا يؤيّد ذلك قوله في الحديث بعده: (ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له) فإنّه أشار بذلك إلى الحدود، ومنها ما شرع لدرء المفسدة الحاصلة على العقل وتلافيها، وفي هذا دليل أيضًا على أنّ الشّارع قد شرع من الحدود والأحكام ما يضمن الحفاظ على هذه الأصول تحقيقًا لمصالحها ودفعًا لمفاسدها كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ومنه ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أيّ الذّنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك) ، قلت: إنّ ذلك لعظيم، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: (وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك) ، قلت: ثمّ أي؟ قال: (أن تزاني حليلة جارك) .
فقدّم في هذا الحديث الشّرك بالله عزّ وجلّ لأنّه أصل المفاسد وأعظمها على الإطلاق، وتلافيه واجتنابه ومحاربته تحقيق لأعظم المصالح على الإطلاق وهي توحيد الله تعالى، ثمّ عقّب بالقتل لما فيه من تلف للنّفوس وإزهاق للأرواح ممّا يؤدّي إلى فساد الحياة بذهاب الأمن وحصول الخوف والجزع، وإنّما خصّ الأولاد بالذّكر -كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله- لكونه يجمع إلى القتل قطيعة الرّحم، ولكونه كان منتشرًا بينهم فالعناية بالنّهي عنه آكد، ولأنّه كان شائعًا فيهم وَأْدُ البنات وقتل البنين خشية الإملاق أو خصّهم بالذّكر لأنّهم بصدد أن لا يدافعوا عن أنفسهم [1] .
(1) فتح الباري 1/ 64