الصفحة 17 من 90

الله عنه -وكان شهد بدرًا وهو أحد النّقباء ليلة العقبة- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن رضي منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ستره الله عليه، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) . فبايعناه على ذلك.

وجه الدّليل في هذا الحديث أنّ الشّارع هنا قد ذكر المنهيّات على سبيل التّفصيل وقدّم ذكرها بخلاف المأمورات فإنّه ذكرها على سبيل الإجمال في قوله (ولا تعصوا) إذ العصيان مخالفة الأمر وأخّر ذكرها بعد ذكر المنهيّات فدلّ على أنّ اجتناب المفاسد مقدّم على اجتلاب المصالح، نبّه على معنى هذه النّكتة الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى [1] .

قلت: وقد تقرّر عند الأئمّة رحمهم الله تعالى أنّ أصول المصالح التي جاءت الشّريعة بتحصيلها خمسة:

1.حفظ مصالح الدّين.

2.حفظ مصالح الأنفس.

3.حفظ مصالح الأعراض.

4.حفظ مصالح الأموال.

5.حفظ مصالح العقول.

وقد نبّه في هذا الحديث على أصول المصالح هذه بذكر المفاسد التي تعرض لكلٍّ منها، فالنّهي عن الشّرك لحفظ مصالح الدّين، والنّهي عن السرقة لحفظ مصالح الأموال والممتلكات، والنّهي عن الزّنا لحفظ مصالح الأعراض والأنساب، والنّهي عن القتل لحفظ مصالح الأنفس والمحافظة على الدّماء، والنّهي عن البهتان وإن كان عامًّا في كلّ ذلك إلّا أنه يشمل المحافظة على العقول، فإنّ البهتان هو الكذب الذي يبهت سامعه، وقال الحافظ بن حجر:"يحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب لأنّه هو الذي يترجم اللّسان"

(1) فتح الباري 1/ 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت