الصفحة 16 من 90

فبيّن سبحانه أنّ مفسدة الكفر بالله والصدّ عن سبيله وعن المسد الحرام وإخراج أهله وولاته أعظم عند الله تعالى من القتل.

أقول وبالله تعالى التّوفيق: الآيات الدّالة على هذا الأصل الذي نحن بصدد الحديث عنه كثيرة جدًّا، وقد قال الشّاطبي رحمه الله تعالى في معرض بيان ذلك ردًّا على قول الرّازي بأنّ أحكام الله تعالى ليست معلّلة بعلّة البتّة كما أنّ أفعاله كذلك:"والمعتمد إنّما هو أنّا استقرينا من الشريعة أنّها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرّزي ولا غيره، فإنّ الله تعالى يقول في بعثة الرّسل وهو الأصل: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، وقال في أصل الخلقة: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] ."

وأمّا التّعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسّنة فأكثر من أن تُحصى، كقوله بعد آية الوضوء: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] ، وقال في الصّيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، وفي الصّلاة: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] ، وقال في القبلة: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: 150] ، وفي الجهاد: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] ، وفي القصاص: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179] ، وفي التقرير على التّوحيد: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] ، والمقصود التّنبيه" [1] . انتهى كلامه بحروفه رحمه الله."

فهذه جملة ممّا في الكتاب العزيز تُغني عن تطويل العبارة وتقوم مقام التّنبيه والإشارة، تقرّر أنّ وضع الشّرائع إنّما هو لمصالح العباد في الدّنيا والآخرة، وهي الكلّيّات التي ترجع إليها القواعد المقرّرة في هذا الباب، وأمّا ما ورد في السّنّة القوليّة والفعليّة وما رُوي عن الصّدر الأوّل من صحابة نبيّنا صلّى الله عليه وسلم ممّا يقرّر ذلك، فمنه ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، واللّفظ للبخاري من حديث عبادة بن الصّامت رضي

(1) الموافقات 1/ 322 ط/ دار المعرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت