وبين البغي الذي هو الكبر والظّلم كما رواه عنه أيضًا [1] ، والظّلم الذي يقابل التّوحيد في هذا الموضع هو الشّرك كما قال تعالى {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
وافتتح سبحانه المأمورات في الآية بالعدل أعني التّوحيد لأنّه أساس المصالح وميزانها، فبه توزن الأعمال والأقوال، وبه يوزن الرّجال وإليه المرجع فيما يكون ظاهره التّعارض من المصالح والمنافع، وكلّ ما أُمِرَ به العبد من التّكاليف تبع له وفرع عليه، ولذا ذكر بعده الإحسان وإيتاء ذي القربى، وأمّا المنهيّات فإنها وإن كانت مفاسد كلّها صغيرها وكبيرها فإنّ مآلها إلى الظّلم والبغي، وأعظم الظّلم الشّرك بالله تبارك وتعالى، ولا يزال العبد يتهاون في فعل المحظور حتى يؤدّي ذلك به إلى أعظم الظّلم نسأل الله تعالى السّلامة والعافية، ولذا ذكر البغي في المنهيّات بعد ذكر الفحشاء والمنكر لأنّهما سبيل إليه.
ومن الأدلّة كذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] ، قلت: وهذه الآية من أعظم الآيات المقرّرة لهذه القواعد الدّالة على اعتبار المصالح والمفاسد وتفاوت مراتبها، فإنّ الله سبحانه أمر فيها بقتال أهل الشّرك والكفر حتّى لا يكون شرك ولا كفر ولا يعبد إلا الله وحده، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض، وهو الفتنة، ويكون الدّين كلّه لله والطّاعة والعبادة خالصة له وحده دون غيره كما رُوي معنى ذلك عن ابن عبّاس والحسن وقتادة والسّدِّي وغيرهم [2] . فأمر سبحانه بالقتال مع ما يترتّب عليه من مفسدة تلحق بالأرواح والدّماء والأبدان دفْعًا للمفسدة الأعظم وهي مفسدة الكفر بالله تعالى، واتّخاذ الأنداد والشّركاء، ويأتي زيادة إيضاح لهذه الآية إن شاء الله تعالى.
ومنها قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] .
(1) المصدر السّابق 8/ 162.
(2) المصدر السّابق 6/ 248.