والنّوع الثّاني علم الشّرائع والحدود والفرائض، وذكر أنّ ذلك ما بيّن الشّرع من المقادير: فنصب للمصالح مظانّ وامارات مضبوطة معلومة وأدار الحكم عليها وكلّف النّاس بها وضبط أنواع البرّ بتعيين الأركان والشّروط والآداب وجعل من كلّ نوع حدًّا يطلب منهم لا محالة وحدًّا يندبون إليه من غير إيجاب [1] .
ومنه ما ذكره العلّامة العزّ بن عبد السّلام في (قواعد الأحكام) حيث ذكر أنّ مصالح الدّار الآخرة [2] وأسبابها ومفاسدها لا تعرف إلّا بالشّرع، فإن خفي منها شيء طلب من أدلّة الشّرع وهي الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصّحيح، وأمّا مصالح الدّنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضّرورات والتّجارب والعادات والظّنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب أدلّته، ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهما فليعرض ذلك على عقله بتقدير أنّ الشّرع لم يرد به ثمّ يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلّا ما تعبّد الله به عباده ولم يوقفهم على مصلحته أو مفسدته. انتهى كلامه.
وأقول جوابًا عن كلّ ذلك وبالله وحده التّوفيق: أمّا كلام الدّهلوي رحمه الله تعالى عن المصالح والمفاسد فلم يرد به أنّ الشّارع لم يضع لها أصولًا يرجع إليها ويتميّز بها ما يعتبر منها وما لا يعتبر، أو أنّ ذلك يعرف بمحض العقل ولو لم يرد بها شيء من الشّرع، فكلّ ذلك باطل مردود، وإنّما أراد أنّ الشّارع أمر بتحصيلها على سبيل الجملة وجعل لها أصولًا يرجع إليها وأوكل تقدير حدودها إلى ما يفي بحاجات النّاس وينتظم أمور معايشهم والدّليل على ذلك قوله بعد ذلك:"وكلّ مصلحة حثّنا الشّرع عليها وكلّ مفسدة رَدَعَنَا عنها فإنّ ذلك لا يخلو من الرّجوع إلى أحد أصول ثلاثة:"
-أحدها: تهذيب النّفس بالخصال الأربع النّافعة في المعاد أو سائر الخصال النّافعة في الدّنيا.
-وثانيها: إعلاء كلمة الحقّ وتمكين الشّرائع والسّعي في إشاعتها.
-وثالثها: انتظام أمر النّاس وإصلاح ارتفاقاتهم وتهذيب رسومهم. ومعنى رجوعها إليها أن يكون للشّيء دخل في تلك الأمور إثباتًا لها أو نفيًا إيّاها بأن يكون شعبة من خصلة منها أو ضدًّا لشعبتها
(1) الحُجّة البالغة 1/ 373.
(2) في المطبوع (الدّارين) وسيأتي بيانه.