فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 504

وفي الجاثية ذكر الأسماع المعطلة فقال {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [1] فقدم السمع. فوضع كل لفظة في المكان الذي يناسبها.

ثم إن آية البقرة ذكرت صنفين من أصناف الكافرين من هم أشد ضلالًا وكفرًا ممن ذكرتهم آية الجاثية فقد جاء فيها قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [2] وجاء في الجاثية قوله {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [3] فقد ذكر في البقرة أن الإنذار وعدمه عليهم سواء وأنهم ميؤوس من إيمانهم ولم يقل مثل ذلك في الجاثية. ثم كرر حرف الجر {على} مع القلوب والأسماع في آية البقرة مما يفيد توكيد الختم فقال {عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} ولم يقل مثل ذلك في الجاثية بل انتظم الأسماع والقلوب بحرف جر واحد فقال {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} . ثم قال في البقرة {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} بالجملة الإسمية والجملة الإسمية كما هو معلوم تفيد الدوام والثبات ومعنى ذلك أن هؤلاء لم يسبق لهم أن أبصروا وإنما هذا شأنهم وخلقتهم فلا أمل في إبصارهم في يوم من الأيام. في حين قال في الجاثية {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ومعلوم أن {جعل} فعل ماض ومعنى ذلك أن الغشاوة لم تكن قبل الجعل يدلك على ذلك قوله تعالى {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} مما يدل على أنه كان مبصرًا قبل ترديه. ثم ختم آية البقرة بقوله {وله عذاب عظيم} ولم يقل مثل ذلك في آية الجاثية. فدل على أن صفات الكفر في البقرة أشد تمكنًا فيهم. ولذا قدم ختم القلب على ما سواه لأنه هو الأهم فإن القلب هو محل الهدى والضلال وإذا ختم عليه فلا ينفع سمع ولا بصر قال تعالى {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [4] .وقال - صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"؟ فكان تقديم القلب في البقرة أولى وأنسب كما أن تقديم السمع في الجاثية أنسب [5] .

-إن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي، لأنه لا يستفيد. قد ختم الله على قلبه.، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ

(1) سورة الجاثية: الآية 78.

(2) سورة البقرة: الآيتان 67.

(3) سورة الجاثية: الآية 23.

(4) سورة الحج: الآية 46.

(5) اسرار البيان في التعبير القرآني ص 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت