إنها العبودية لله تبارك وتعالى، فلم يخلق الله الناس عبثًا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] ، وإنما خلقهم لعبادته جل وعلا وتوحيده وطاعته، لذلك سخرت من أجله الكائنات والأفلاك والشمس والدواب والنجوم والقمر والبحار والأنهار، تلك المنظومة الرائعة في خلق الله إنما كانت من أجل القيام بحق العبودية لله تبارك وتعالى.
ومن ثم كانت تلك المهمة العظيمة والغاية الجليلة من الخلق تحتاج إلى همة كالجبال الرواسي، وعزيمة كالأمواج العاتية، وإرادة كالنجوم العالية، وليست العبادة صلاة وصيام فحسب، بل ما هو أشمل وأوسع بكثير من ذلك، يقول بن تيمية رحمه الله في العبودية: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ... الفتاوى الإصلاح بين الناس عبادة، وكفالة اليتيم بل المسح على رأسه عبادة، والنصيحة عبادة، وإماطة الأذى عن طريق المسلمين عبادة، والرفق بالحيوان عبادة، وتربية الأطفال وفق شرع الله عبادة، حتى المباحان فإنها تصير عبادات بالنية الصالحة؛ فالطالب يجتهد في جامعته لخدمة الإسلام والمسلمين عبادة، والعمل للتكسب والإنفاق على النفس والغير والتعفف عن السؤال عبادة، والجهاد في سبيل الله من أفضل العبادات وهو ماض إلي يوم القيامة .. !!
فإذا كانت العبادة بهذا المفهوم الواسع؛ فيلزم للقيام بها إرادة ماضية وهمة عالية تتناسب مع اتساع مفهومها، فما أحوجنا إلى ذلك الآن.
ومن ثم فقد ربى الله سبحانه المؤمنين على الهمة العالية فقال في وصفهم ودعائهم: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] .
و في صحيح البخاري عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة.
اسألوه الفردوس، لماذا؟ لتعلو همة المؤمن لنيل هذا الشرف العظيم: الفردوس الأعلى.
من أهم الأخلاق:
إن علو الهمة في طلب الكمال وقوة العزيمة في تحقيق الأهداف من أهم أخلاق المؤمن الصادق بل العاقل كما يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله: من أعمل فكره الصافي دله على طلب أشرف المقامات ونهاه عن الرضا بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا = كنقص القادرين على التمام