فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض.
غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي له أن يطلب الممكن، والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل) صيد الخاطر، ابن الجوزي، (173 - 174) .
فالشاب المؤمن ينبغي أن يكون صاحب همة عالية، وغايات نبيلة، وأهداف عظيمة تمكنه من تحقيق التفوق والنجاح في الدنيا إرضاءً لله تعالى وإعمار في الأرض كما أمر الله تعالى، وهذا يتطلب همة عالية لا ترضى بالدون لأن من يرمي بقوسه نحو القمر فحتى إذا لم يصبه سيقع سهمه بين النجوم.
لقد سأل أبو جعفر المنصور يومًا جلسائه:"أتدرون من هو صقر قريش؟"قالوا: أنت، قال: لا، فعددوا له أسماء مثل معاوية وعبد الملك بن مروان، قال: لا ... بل عبد الرحمن بن معاوية دخل الأندلس منفردًا بنفسه، مؤيدًا برأيه، مستصحبًا لعزمه، يعبر القفر، ويركب البحر حتى دخل بلدًا أعجميًا فمصَّر الأمصار، وجند الأجناد وأقام ملكًا بعد انقطاع بحسن تدبيره، وعظيم تفكيره ..
فلله در هذا العملاق، من صقر محلق في سماء الهمة، يدخل الأندلس وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره، مطارد من قبل العباسيين في المشرق، ومطارد من قبل الخوارج في المغرب، كل يريد أن يقتله، وهو وحيد فريد، ليس له إلا عون الله وتوفيقه، ثم شدة بأس، وعزيمة نفس، وتألق روح لا تقف أمامها الصعاب، ولا تفت في عضدها الظروف، ومع كل ذلك ينجح بفضل الله تعالى في الوصول إلى الأندلس وتكوين جيش مقاتل، يؤسس به أركان الخلافة الأموية الأندلسية، حتى دخل"عبد الرحمن"قرطبة فصلَّى بالناس، وخطب فيهم، فكان ذلك بمثابة إعلان ميلاد الدولة الأموية في الأندلس، وبويع له بالخلافة في 10 من ذي الحجة 138 هـ - 18 من مايو 756 م؛ ليصبح أول أموي يدخل الأندلس حاكمًا، ويطلق عليه ذلك اللقب الذي عُرف به"عبد الرحمن الداخل"، ومؤسس تلك الدولة الفتية التي أصبحت حضارتها منبعًا لحضارة أوروبا الحديثة، وظلت منارًا للعلم والمدنية عبر قرون طويلة من الزمان.
ونحن هنا ندعوك أيها الحبيب الغالي أن تساءل نفسك، تري أي الأمرين أسهل، ما فعله صقر قريش من إقامة دولة كاملة، في ظل تلك الظروف الصعبة التي قد تبدو مستحيلة، من